كَسر الكلمة -49- الأحد السابع عشر من زمن العنصرة

كَسر الكلمة -49- الأحد السابع عشر من زمن العنصرة

الأحد السابع عشر من زمن العنصرة
مثل السامري الصالح
(لوقا 10/ 25-37)
25. إِذَا عَالِمٌ بِالتَّوْرَاةِ قَامَ يُجَرِّبُ يَسُوعَ قَائِلاً: "يا مُعَلِّم، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ ٱلحَياةَ الأَبَدِيَّة؟".
26. فَقَالَ لَهُ: "مَاذَا كُتِبَ في التَّوْرَاة؟ كَيْفَ تَقْرَأ؟"
27. فَقَالَ: "أَحْبِبِ ٱلرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَكُلِّ نَفْسِكَ، وَكُلِّ قُدْرَتِكَ، وَكُلِّ فِكْرِكَ، وَأَحْبِبْ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ".
28. فَقالَ لَهُ يَسُوع: "بِالصَّوابِ أَجَبْتَ. إِفْعَلْ هذَا فَتَحْيَا.
29. أَمَّا هُوَ فَأَرادَ أَنْ يُبَرِّرَ نَفْسَهُ، فَقَالَ لِيَسُوع: "وَمَنْ هُوَ قَريبِي؟"
30. فَأَجابَ يَسُوعُ وَقَال: "كانَ رَجُلٌ نَازِلاً مِنْ أُورَشَلِيمَ إِلى أَرِيحَا، "فَوَقَعَ في أَيْدِي اللُّصُوص، وَعَرَّوهُ، وَأَوْسَعُوهُ ضَرْبًا، وَمَضَوا وَقَدْ تَرَكُوهُ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيْت.
31. وَصَدَفَ أَنَّ كَاهِنًا كَانَ نَازِلاً في تِلْكَ الطَّرِيق، وَرَآهُ، فَمَالَ عَنْهُ وَمَضَى.
32. وَمَرَّ أَيْضًا لاوِيٌّ بِذلِكَ المَكَان، وَرَآهُ، فَمَالَ عَنْهُ وَمَضَى.
33. ولكِنَّ سَامِرِيًّا مُسَافِرًا مَرَّ بِهِ، وَرَآهُ، فَتَحَنَّنَ عَلَيْه،
34. وَدَنَا مِنْهُ، وَضَمَّدَ جِرَاحَهُ، سَاكِبًا عَلَيْها زَيْتًا وَخَمْرًا. ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى دَابَّتِهِ، وَذَهَبَ بِهَ إِلى الفُنْدُق، وٱعْتَنَى بِهِ.
35. وفي الغَد، أَخْرَجَ دِينَارَينِ وَأَعْطاهُمَا لِصَاحِبِ الفُنْدُق، وَقَالَ لَهُ: إِعْتَنِ بِهِ، وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَأَنَا أُوفِيكَ عِنْدَ عَوْدَتي.
36. فَمَا رَأْيُكَ؟ أَيُّ هؤُلاءِ الثَّلاثَةِ كَانَ قَريبَ ذلِكَ الرَّجُلِ الَّذي وَقَعَ في أَيْدِي اللُّصُوص؟"
37. فَقَالَ: "أَلَّذي صَنَعَ إِلَيْهِ ٱلرَّحْمَة". فَقَالَ لَهُ يَسُوع: "إِذْهَبْ، وٱصْنَعْ أَنْتَ أَيْضًا كَذلِكَ".

مقدّمة
نحنُ لا نزالُ في القسمِ الثَّاني من إنجيلِ لوقا الَّذي يشدُّنا إلى الحدثِ الفصحيَّ، إلى موتِ يسوعَ وقيامتِه، نُرافِقُ يسوعُ في صعودِه إلى أورشليمَ. هذا الصعودُ يطبعُ الانجيلَ الثَّالثَ بطابعٍ خاصٍّ، ويورِدُ التَّعليمُ والارشادُ، كمقدِّمٍة لزمنِ الكنيسةِ، ويدعو المؤمِنَ إلى العيشِ المسيحيِّ دونَ أن ينسى أنَّ نهايةَ العالمِ بعيدةٌ، وأنَّ مجيءَ الرَّبِّ يتأخرُّ. من مميزاتِ إنجيلِ لوقا شموليَّةُ دعوةِ اللهِ الرَّحيمِ لكلِّ البشرِ وبخاصَّةٍ المساكين والفقراءِ، فهُم أيضًا مدعوون للدُّخولِ في ملكوتِ اللهِ. محبّةُ اللهِ تشمُلُهم لأنَّه إلهُ خلاصٍ وحبٍّ للجميعِ.

شرح الآيات
25. إِذَا عَالِمٌ بِالتَّوْرَاةِ قَامَ يُجَرِّبُ يَسُوعَ قَائِلاً: "يا مُعَلِّم، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ ٱلحَياةَ الأَبَدِيَّة؟".
في حين يتحدَّثُ متَّى ومَرقس عن أعظمِ الوصايا يُدرِجُ لنا لوقا هذا التَّعليمَ داعيًا إيَّانا لتوسيعِ حلقةِ التَّضامُنِ أبْعدَ مِنَ الفئةِ والقبيلةِ والدَّينِ والبلدِ. لذا سينقلِبُ السُّؤالُ في نهايةِ المطافِ. علينا أن نتذكَّرَ أنَّ هناك 613 وصيةً مفروضةً على اليهودي المؤمنِ، لذلك يأتي هذا السُّؤالُ إمَّا لتبيانِ جهلِ يسوعَ أو لاستدراجِه إلى الجوابِ بطريقةٍ خاطئةٍ تتعارضُ مع المعلِّمين الآخرين، علماءِ الشريعةِ أي الّذين ينسخون ويدرسون الشَّريعةَ.

26. فَقَالَ لَهُ: "مَاذَا كُتِبَ في التَّوْرَاة؟ كَيْفَ تَقْرَأ؟"
رد السؤال بسؤالٍ: لأنَّ يسوعَ ليسَ قانونيًّا ولا يدخلُ في الحَرْفِيَّةِ الضَّيِّقةِ. بهذا دعوةٌ لاتِّخاذِ موقفٍ والانتقالِ إلى العيشِ لا فقط المعرفةَ النَّظريَّةَ.

27. فَقَالَ: "أَحْبِبِ ٱلرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَكُلِّ نَفْسِكَ، وَكُلِّ قُدْرَتِكَ، وَكُلِّ فِكْرِكَ، وَأَحْبِبْ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ".
28. فَقالَ لَهُ يَسُوع: "بِالصَّوابِ أَجَبْتَ. إِفْعَلْ هذَا فَتَحْيَا.

العالمُ هو الَّذي وَجَدَ الجوابَ في حينِ أنَّ في متَّى ومرقس يعطي الجوابَ. هو يقتبِسُ كلامَ سِفْرَي اللَّاويين والتَّثنيةِ (لا. 19: 18، تث. 6: 4-5). القسمُ الأوَّلُ من هذا الجوابِ يصلِّيه المؤمنُ مرَّتين في اليومِ في صلاةِ "اسمعْ يا اسرائيل" وعندما يضُمُّ إليه محبةَ القريبِ يطيعُ التَّقليدُ اليهوديُّ الَّذي يساوي بين محبةِ اللهِ والقريبِ. وعليه المعرفَةَ النَّظريةَ لا تكفي.

29. أَمَّا هُوَ فَأَرادَ أَنْ يُبَرِّرَ نَفْسَهُ، فَقَالَ لِيَسُوع: "وَمَنْ هُوَ قَريبِي؟"
يلمسُ سؤالٌ مهمٌّ آنذاك إذ بحسبِ (خر 20: 16–17)  فقريبي هو ابنُ شعبي والآخرون أعداءٌ وغرباءٌ لكن يتبعُ أيضًا هل ابنُ شعبي الَّذي يسيءُ إليَّ يبقى قريبي؟ وهل يمكِنُ للغريبِ أن يكونَ قريبًا؟ 

30. فَأَجابَ يَسُوعُ وَقَال: "كانَ رَجُلٌ نَازِلاً مِنْ أُورَشَلِيمَ إِلى أَرِيحَا، "فَوَقَعَ في أَيْدِي اللُّصُوص، وَعَرَّوهُ، وَأَوْسَعُوهُ ضَرْبًا، وَمَضَوا وَقَدْ تَرَكُوهُ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيْت.
هي طريقٌ طويلةٌ عَرَفَتِ اللّصوصَ بسببِ تشعباتها.

31. وَصَدَفَ أَنَّ كَاهِنًا كَانَ نَازِلاً في تِلْكَ الطَّرِيق، وَرَآهُ، فَمَالَ عَنْهُ وَمَضَى.
32. وَمَرَّ أَيْضًا لاوِيٌّ بِذلِكَ المَكَان، وَرَآهُ، فَمَالَ عَنْهُ وَمَضَى.
33. ولكِنَّ سَامِرِيًّا مُسَافِرًا مَرَّ بِهِ، وَرَآهُ، فَتَحَنَّنَ عَلَيْه،

يقدِّمُ لنا لوقا ثلاثَة أشخاصٍ كالعادةِ (14: 18–20، 19: 16–24، 20: 1–12): كاهنٌ، لاويٌّ وسامريٌّ، هوياتٌ ثلاثٌ لأنَّ حاجاتِ الآخرين تفجِّرُ فينا مواقفَ متباينةً. في حين يرى البعضُ بالجريحِ يهوديًّا وبالتّالي وجوبُ الكاهنِ واللّاوي الاهتمامُ به. يبقي النَّصُّ على الهويةِ المجهولةِ للجريحِ لإدخالِنا في منطقِ الشُّموليةِ ولصرفِ النَّظرِ عن هويَّةِ المحتاجِ والتّشديدِ على هويَّةِ المساعدِ. بلْ إنَّ هويَّتَنا هي المساعدةُ. تَعَامَلَ علماءُ الشَّريعةِ مع الجريحِ كموضوعٍ للجدلِ والمناقَشَةِ وتعامُلِ معه اللُّصوصِ كموضوعٍ للنَّهبِ والسَّرقةِ. الكاهنُ تعاملَ معه كمشكلةٍ عليه أن يتجنَّبها واللّاوي كموضوٍع للفضولِ "نظرَ إليه". ليسَ سوى السَّامريِّ الصَّالحِ مَنْ تعاملَ كإنسانٍ يستحقُّ الرَّحمةَ والحُبَّ. والمُلْفِتُ أنَّ هذا المَثلَ يأتي لللإشادةِ بسامريٍّ بعدَ أن كانَت قريةً سامريَّةً قد رفَضَتْ يسوعَ في (لوقا 9: 52).
والملفِتُ أيضًا أنَّ الكاهنَ واللّاويَ بابتعادِهما عن الجريحِ يطيعان الشَّريعةَ ذاتِها الَّتي لخَّصَها عالمُ التَّوارةِ بمحبةِ اللهِ والقريبِ، فيفصلان محبّةَ اللهِ عنِ القريبِ. أمَّا السّامريُّ فيوظِّف ستَّةَ افعالٍ للدّلالةِ على وقارِ خدمتِه كوقارِ خدمةِ اللهِ.
هناك نظريةٌ ترجِّحُ أيضًا أنَّ رفضَ الكاهنِ له لم يكنْ له علاقةٌ بالطَّهارةِ إذ إنَّه كان نازلًا أيضًا من أورشليم أي أنهى خدمتَه، فهو، إذًا، ليس في موقعِ الضّرورةِ القُصوى بالنِّسبةِ للطَّهارةِ ليمتنِع عن إغاثةِ جريحٍ. ومِنْ هنا نرى، إمَّا مغالاةٌ في تطبيقِ الشَّريعةِ أو لا مبالاةَ للقريبِ في قلبِ من نَذَرَ نفسَه للرَّبِّ.
والسَّامريُّ هو يمثلُ شعبًا، بينَه وبينَ اليهودِ كراهيةٌ عميقةٌ، شعبًا اختلطَ وتزاوجَ مع شعوبٍ غريبةٍ، شعبًا يجهَلُ الكتابَ المقدَّسَ ولا يحفَظُ منه سوى التَّوارةِ. فهو إذًا أقلُّ إنسانٍ يحتمِلُ أن يتصرَّفَ تصرُّفًا صحيحًا. من هنا نتفاجأُ حين نرى أنَّ موقفَه مشابِهٌ لموقفِ يسوعَ أمامَ أرملةِ نائين. وقد يكونُ بهذا تحقيقًا لابتهالِ يسوعَ في (لو10: 21–24) عنِ السِّرِّ الَّذي كَشَفَ للبُسطاءِ وحَجْبِه عنِ الحكماءِ.

34. وَدَنَا مِنْهُ، وَضَمَّدَ جِرَاحَهُ، سَاكِبًا عَلَيْها زَيْتًا وَخَمْرًا. ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى دَابَّتِهِ، وَذَهَبَ بِهَ إِلى الفُنْدُق، وٱعْتَنَى بِهِ.
35. وفي الغَد، أَخْرَجَ دِينَارَينِ وَأَعْطاهُمَا لِصَاحِبِ الفُنْدُق، وَقَالَ لَهُ: إِعْتَنِ بِهِ، وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَأَنَا أُوفِيكَ عِنْدَ عَوْدَتي.

الزَّيتُ يهدِّىءُ والخَمرُ يزيلُ الالتهابَ. رأى الآباءُ فيهما علامةً للأسرارِ وفي السَّامريِّ دلالةً ليسوعَ طبيبِ المرضى الَّذي يعتني بجراحِنا ويقودُنا إلى الفندقِ أي الكنيسةِ فيسلِّمُنا لأبيه معافين. كما أنَّهم رأوا في الدِّينارين العهدين الجديدَ والقديمَ.

36. فَمَا رَأْيُكَ؟ أَيُّ هؤُلاءِ الثَّلاثَةِ كَانَ قَريبَ ذلِكَ الرَّجُلِ الَّذي وَقَعَ في أَيْدِي اللُّصُوص؟"
ينتقلُ السُّؤالُ مِنْ "مَنْ هو قريبي؟" إلى "أنت قريبٌ منِّي؟" ليقولَ لنا ألاَّ ننتظرَ أن يتقرّبَ منَّا الضَّغيفُ بل علينا نحنُ أنْ نذهبَ إليه كما أتى إلينا يسوعُ مِنْ لَدُنِ الآبِ. القريبُ ليسَ المحتاجُ بلِ الّذي يساعدُ.

37. فَقَالَ: "أَلَّذي صَنَعَ إِلَيْهِ ٱلرَّحْمَة". فَقَالَ لَهُ يَسُوع: "إِذْهَبْ، وٱصْنَعْ أَنْتَ أَيْضًا كَذلِكَ".
جوابُ عالمِ التّوارةِ لا يشيرُ إلى السَّامريِّ بِحسَبِ هويَّتِهِ الدِّينيةِ او مكانتِه الاجتماعيَّةِ بل بحَسَبِ عملِهِ. عامَلَه بالرَّحمةِ أو حَرْفًّيا: تحرَّكَتْ أحشاؤه. القريبُ إذًا هو الّذي تتحرّك أحشاؤه عندَ رؤيةِ المساكين فيتحرّكَ نحوَهم بمحبةٍ ولو كانوا مِنَ الاعداءِ. السُّؤالُ الّذي يجبُ أنْ نَطْرَحَهُ كلَّ يومٍ هو: كيفَ لي أنْ أكونَ قريبَ كلِّ إنسانٍ؟ دونَ التَّوقُّفِ عندَ أيَّةِ حدودٍ وإلاَّ تكونُ محبَّتي شكليّةً بلْ عمليّةً: إذهبْ واعملْ.

خلاصة روحيّة
نرى في هذا النَّصِّ ثلاثةَ مبادئٍ:
1- نقصُ المحبَّةِ سهلُ التّبريرِ.
2- القريبُ هو أيِّ انسانٍ محتاجٌ بغضِّ النَّظرِ عن اعتباراتِ الجِنْسِ، والدِّينِ، العقيدةِ، اللَّونِ أو أيِّ خلفيَّةٍ أخرى.
3- الحبُّ معناه العملُ على سدِّ احتياجاتِ الآخرين.
كما أنَّنا نلاحِظُ أنَّ السَّامريَّ لا يتوقَّفُ عندَ الفندقِ بل يُكْمِلُ طريقَه، وعندَ العودةِ لن يسألَ عن المريضِ بل عن المبلغِ ومِنْ هنا تعليمٌ لنا ألَّا نتعلّقَ تعلقًّا سلبيًّا بِمَنْ نساعدُهم وألَّا نأسرُهم بنا أيضًا. وفي وطنٍ كَثُرَتْ الحاجةُ فيه ويسعى الكثيرون إلى المساعدةِ علينا أن نسألَ مَنْ هو قريبُ هؤلاءِ فعلاً؟ هل هو مَنْ يعامِلُهم كمشكلةٍ للتَّجَنُّبِ؟ أو كموضوعٍ نظريٍّ وحالةٍ فضولٍ؟ هل هو مَنْ يساعِدُهم ليأسِرَهم؟ هل هو مَنْ يساعدُهم بناءً على خلفيَّةٍ اجتماعيَّةٍ أو دينيَّةٍ؟ أو هو الّذي يساعدُهم لأنَّه اكتَشَفَ نفْسَه قريبَهم؟
في عملِ الرَّحمَةِ نتشَّبَّه بيسوعَ هو نفسِه الّذي تماهى أيضًا مع المساكينِ، فيتجلَّى لنا يسوعُ في أخوتِنا ويتجلَّى لهم فينا ويصبحُ هو الكلُّ في الكلِّ، له المجدُ إلى الأبدِ.


تحميل المنشور