الميلاد والدنح: قراءة كتابيّة، وتاريخيّة، وطقسيّة ورعويّة

الميلاد والدنح: قراءة كتابيّة، وتاريخيّة، وطقسيّة ورعويّة

مقدّمة
يعيش المسيحيّون سنتهم الطقسيّة بين مجيئي المسيح. يتذكرون مجيئه الأوّل الذي فيه صار لهم الفداء بدمه، ويرجون مجيئه الثّاني ليملك ويشركهم في مجده . والكنيسة في تأمّلها بالمجيء الأوّل، تعلن إيمانها بأنّ يسوع هو المسيح ابن الله المخلّص، وتعترف أنّه أتى في الجسد (1 يو 4: 2)، وفي تأمّلها بالمجيء الثّاني، تُعلن رجاءَها بأنّ يسوع آتٍ بمجدٍ عظيم ليدين الأحياء والأموات برحمته العادلة.
وقفتنا اليوم مع محور المجيء الأوّل الّذي يُدخلنا في صلب احتفالاتنا الميلاديّة.
يرتبط هذا المحور بالانقلاب الشتويّ في 21 كانون الأوّل. أمّا إطاره، فيشمل أشهر تشرين الثاني وكانون الأوّل وكانون الثاني. في العالم الزراعيّ، نشهد في هذه الفترة الأمطار الأولى الّتي تشتدّ شيئًا فشيئًا، فتتمّ زراعة الحبوب وتتفتّح براعم الربيع، ومن هنا، تأتي عادة زرع حبوب الحنطة في أوانٍ فخاريّة لتوضع أمام المغارة، وآنية الفخار المملوءة ترابًا ترمز إلى مريم الأرض الخصبة التي قبلت في حشاها يسوع حبّة الحنطة فنمى وصار فوق المذبح قوتًا للبيعة وخبز الحياة. ويحتفل العهد الأوّل في 25 كسلو القمريّ الموافق شهر كانون الأوّل الشمسيّ بعيد الأنوار، وهو عيد تجديد الهيكل.
21 كانون الأوّل هو أوّل أيّام الشتاء وهو أقصر مدّة للنهار وأطول مدّة للّيل خلال السنة، في اليوم التالي، تبدأ ساعات النهار تطول تدريجيًّا، فيتغلّب النور شيئًا فشيئًا على الظلمة. ويترافق الحدث مع احتفالات وولائم وغناء ورقص ونيران أخذت بُعدًا روحيًّا مع احتفالات المسيحيّين بميلاد الربّ يسوع.

اللمحة التاريخيّة
عيد الميلاد أو الدنح هو عيدٌ واحدٌ أصلًا، عيَّدَته الكنيسة في الغرب في ٢٥ كانون الأوّل، حيث كان الوثنيّون يحتفلون بعيد ميلاد الشمس الّتي لا تنهزم، والكنيسة في الشّرق عيّدته في ٦ كانون الثاني، حيث كان الوثنيّون في مصر يحتفلون بولادة الإله من مياه نهر النيل. وصار العيد المسيحيّ يشمل ميلاد المسيح بالجسد، وظهور الثّالوث في العماد، وظهوره بالآية في قانا الجليل، ناهيك عن ظهور الملائكة للرعاة والنجم للمجوس. إِنَّهُ عيدٌ واحد يحتوي على عناصر متعدِّدة من عمل الفداء. ولا تزال الكنيسة الأرمنيّة تحافظ حتى اليوم على هذا التقليد الأوّل.
في مرحلة لاحقة، تبادل الشرق والغرب العيدين، فصار عيد ٢٥ كانون الأوّل للميلاد، وصار عيد ٦ كانون الثّاني للعماد، ودخَلَ العيدان معًا في كلا التّقليدَين.

الميلاد في الأراضي المقدّسة
تبقى يوميّاتُ الرّحّالة الإسبانيّة، إيجيريا، والمخطوطان الأرمنيّ والجورجيّ، المرجعَ الأكيدَ والثّابة لعيد الظّهور الإلٰهيّ épiphania ، الّذي كان يُحتَفَل به في ٥-٦ كانون الثّاني، بسهرانيّة العيد في حقل الرعوات وفي مغارة المهد وفي كنيسة بيت لحم، ومن ثمّ بتطواف من بيت لحم إلى كنيسة القيامة في أورشليم.
وقد امتدّ العيد على مدى ثمانية أيام، ليُحتَفَل به في الأماكن المقدَّسة الأخرى. تصف لنا إيجيريا زينة العيد الّتي تتألّف بالأنوار وباللون الذهبيّ، والصّلوات المرافقة له. 

الميلاد والدنح في وصف مار افرام السرياني
يسمّي مار أفرام السّريانيّ (+٣٧٣) عيد 6 كانون الثّاني أسمى الأعياد المسيحيّة. ويذكر أنّه في هذا اليوم، يُزَيَّن كلّ بيت بالأكاليل. يَصِفُ مار أفرام الفَرَح العَظيم الّذي يسود في ذاك اليوم، الكنيسةَ جَمعاء. ويضيف "أنَّ جُدرانَ الكنيسة تطرب في هذا النّهار، والأولادَ لا يَفوهون إلّا بكلماتِ الابتهاج".
ومن ثمَّ يروح يَصِفُ بنوع خاصّ العيد الليليّ: هوذا الليل، الليل الّذي يهبُ السّلام للكون! مَنْ يستطيعُ أن ينامَ في هذهِ الليلةِ حيثُ يسهرُ الكونُ كلّه!
بعدها نحتفل بالميلاد، بسجود الرّعاة وبظهور النّجم. اليوم التّالي مُخَصَّص لسجود المجوس ولِعِماد يسوع في مياه الأردنّ".

الميلاد في الكنيسة المارونيّة
دخل عيد الميلاد إلى الكنيسة الانطاكيّة نحو سنة 375 م، بشهادة القدّيس يوحنّا فم الذّهب، وأقدم شهادة على وجوده عند الموارنة هو المخطوطات القديمة: ربّولا، سلمنكا، البيرونيّ، والبيت غَازُا المارونيّ  14701. Additional...
يتكوّن محور المجيء الأوّل في الكنيسة المارونيّة، من أربعة أقسام:

القسم الأوّل: زمن الميلاد وآحاد البشارات
* يدعونا زمن الميلاد الى التأمّل في مراحل تاريخ الخلاص منذ وعدِ الله لإبراهيم الخليل وحتّى ميلاد الربّ يسوع كلمة الله المتجسّد.
* يتكوّن زمن الميلاد من آحاد وأسابيع سابقة للعيد، يُطلِق عليها التقليد السُّرْيانيّ العامّ لقب آحاد البِشارات، ترافقها الدعوة إلى الفرح وعدم الخوف:
1- بِشارة زكريّا: "لا تخف يا زكريّا، فقد استجيبت طِلبتُك، وامرأتُك اليصابات ستلد لك ابنًا" (لو 1: 13).
2- بِشارة العذراء: "لا تخافي يا مريم، لِأَنّكِ وجدتِ نعمة عند الله" (لو 1: 30).
3- زيارة مريم العذراء: "لمّا سمعت إليصابات سلام مريم، ارتكض الجنين ابتهاجًا في بطنها، وامتلأت من الروح القدس" (لو 1: 41 و44).
4- مولد يوحنّا المعمدان: "سمع الجيران والأقارب أنّ الربّ عظّم رحمته مع اليصابات، ففرحوا معها" (لو 1: 28).
5- البيان ليوسف: "لا تخف يا يوسف بنَ داود، أن تأخذ مريمَ امرأَتَك، فالمولودُ فيها، إنّما هو من الروح القدس" (متّى 1: 20).
ومع أحد النسبة أو أحد ما قبل الميلاد، نخرج من أسابيع البشارات لندخل مباشرة في العيد.

* يسود اللّون الأبيض الّذي يرمز إلى الفرح من أحد بشارة زكريّا حتّى بداية تساعيّة الميلاد.
* تختصر هذه الفترة الاستعداديّة للعيد، والمكوَّنة أساسًا من 42 يومًا (كون الصوم الميلاديّ بَدَأَ في السابق في الرابع عشر من شهر تشرين الثاني)، الأجيالَ الاثنينِ والأربعين الّتي يأتي على ذكرها إنجيل نسب يسوع للقدّيس متّى (متّى 1: 17).
* يَغلِب على زمن الميلاد، وهو زمن التجسّد الإلهيّ، طابَعٌ لاهوتيٌّ عميق، كما يَغلِب عليه الطابَع العائليّ، فيميّزهُ من جميع الأعياد الطقسيّة والأزمنة الأخرى. وهكذا، فإنّ حَدَثَ الميلاد، وإن تَمَّ في الماضي، يبقى حَدَثًا مشدودًا إلى كلّ مستقبل الله معنا، وبالتحديد إلى حدث مجيء الربّ يسوع كلّ يوم، في حياة كلّ مؤمن، ليحقّق فينا الخلاص الكامل النهائيّ.
* في آحاد البشارات المُهيِّئَة لعيد الميلاد، ذِكرٌ لافت للعذراء مريم في البشارة والزيارة. وفي البيان ليوسف، تبقى مريم هي محور الكلام على نُبوءة آشعيا (متّى 1: 23). وفي أحد النسبة، ينتهي نصّ الانجيل بِـ "يوسف رجل مريم، الّتي منها وُلِدَ يسوع، الّذي يُدعَى المسيح" (متّى 1: 16). ويُتَوَّج حضور العذراء في هٰذا الزمن بعيد تهنئتها في اليوم الّذي يلي عيد الميلاد.

القسم الثّاني: قبل عيد الميلاد وفيه وبعده
1- يَسبقُ الثُّلاثيّةَ الميلاديّة أسبوع ٌإعداديّ لها، محفوظ في مخطوط بكركي (66 -1555 م.). والأسبوع المؤلّف من سبعة أيّام يذكّرنا بالخلق، ونراه امتدادًا ليوم الأحد، وتحضيرًا له. تحوّل هٰذا الأسبوع في القرن التاسع عشر إلى تساعية صلاة ترافقها أيّام "قطاعة" معروفة بِ"قطاعة الميلاد". وللتساعيّة أسبابها في التاريخ، إذ كانت الأيّام التسعة السابقة لاكتمال القمر، أيّامًا تحضيريّة تساعد في مسيرات الحجّ. ومع انتشار المسيحيّة، اكتسبت التساعيّات بُعدًا روحيًّا، وصار يُحتفل بها قبل كُلّ عيد وذكرى، كمرحلة مميّزة للدخول في جوهر العيد.
لا بُدَّ من التذكير بأنّ أوّل تساعيّة في العهد الجديد، عاشتها مريم مع الرسل في العليّة بعد خميس الصعود إستعدادًا ليوم العنصرة، حيث كانوا كُلُّهم مواظبين على الصلاة بنفس واحدة لقبول عطيّة الروح القدس. وتأتي تساعيّة الميلاد كاختصار للأشهر التسعة الّتي حملت فيها مريم في أحشائها بحامل الأكوان.
2- الثُّلاثيّة الميلاديّة
* على صورة الفِصح، تكوّنت الثُّلاثيّة الميلاديّة، وقوامها: بيرمون العيد (أي يوم الاستعداد للعيد)، ويوم العيد حيث يُحتفلَ برتبة سجدة الميلاد في قدّاس منتصف الليل، وعيد تهنئة العذراء مريم، في ثاني ميلاد ابنها، وفيه نطلب من الله أن يصون بصلواتها الزروع الّتي منها نقدّم جسد ابنها.
3- ثمانيّة الميلاد واضحة معالمها في الإنجيل الثالث للقدّيس لوقا: "ولمّا تمّت ثمانية أيّام ليُختَنَ الصبيّ سُمِّيَ يسوع" ... (لو 2، 21). يتخلّل هذه الثُّمانيّة، المبنيّة على أساس ثُمانيّة القيامة، أعيادٌ وأحداث ٌخلاصيّة مرتبطة بالعيد: إستشهاد اسطفانوس، زيارة المجوس، الهرب إلى مصر، مقتل أطفال بيت لحم، والخِتانة في اليوم الثامن.
* طَوال الثُّلاثيّة الميلاديّة والأسبوعَينِ المحيطَينِ بها، تتألّق الكنيسة باللّون الذهبيّ، لون شمس البرّ (ملاخي 4: 2) يسوع المسيح الّذي ينير العالم (يو 8: 12/ أش 9: 1).
* إرشادات مرافقة لاسبوع ما بعد العيد:
- إذا وقع عيد الميلاد يوم أحد، يكون الأحد الّذي يليه عيد الخِتانة، ويُحتفل فيه بخدمة العيد وتُتلَى القراءات المعيّنة لهذه المناسبة.
- إذا وقع أحد واحد بين عيدَيِ الميلاد والدِّنْح، يكون موضوعه "الكلمة المتجسّد" (يو 1: 1-18).
- أمّا إذا وقع أحدانِ بين عيد الميلاد وعيد الدنح، يُحتفل في الأحد الأوّل بخدمة عيد الميلاد ويُسمَّى هذا الأحد "أحد الكلمة المتجسّد"، ويُحتفل في الأحد الثاني بخدمة "وجود الربّ في الهيكل".

القسم الثالث: قبل عيد الدنح وفيه وبعده
* "الدِّنْح" كلمة سُرْيانيّة، تعني الظهور والإشراق والاعتلان، وتعبّر عن المعنى اللاهوتيّ الحقيقيّ لحدث اعتماد الربّ يسوع في الأردنّ، وبدء ظهوره للعالم، وعيد اعتلان سرّ الثالوث الأقدس، وفيض الروح القدس، وعيد النور كما تسمّيه بعض المخطوطات. وهو عيد الفرح والحبور للناس أجمعين.
1- أيّام ما قبل الدنح: بعد عيد الخِتانة، تتهيَّأُ الكنيسة المارونيّة لعيد الدنح، بأيّام ثلاثة تتوقّف فيها عند وجود الربّ في الهيكل(2و3و4 كانون الثّاني) ويكون اللّون الأبيض هو السائد.
2- الثلاثيّة الدنحيّة: قوام هذه الثلاثيّة: البَيرَمون في الخامس من كانون الثاني، وعيد الغطاس في السادس منه، حيث يُحتفَل برتبة تقديس المياه في قدّاس منتصف الليل، وعيد مديح يوحنا المعمدان في اليوم التالي.
* في رتبة تقديس المياه، تُلقى ثلاث جمرات في وعاء الماء، وتشير الجمرة بعنصريها الخشب والنار إلى طبيعتي يسوع البشريّة والإلٰهيّة، والعدد 3 يرمز من جهة إلى الطابع الثالوثيّ الّذي تجلّى فوق مياه الأردن، ومن جهة أخرى إلى البُعد الفصحيّ، لأنّ اعتماد الربّ يسوع مرتبطٌ بموته وقيامته.
* تتّشح الكنيسة في ثلاثيّة الغطاس باللّون الذهبيّ.
3- ما بعد عيد الدنح: وهي الأيّام الفاصلة بين عيد مديح يوحنا المعمدان والأحد الأوّل من زمن الدنح. ويكون اللّون الأبيض هو السائد.

القسم الرابع: زمن الدنح
* تطول فترة هذا الزمن وتقصر تَبَعًا لتوقيت أحد القيامة المجيدة كلّ سنة، وتتخطّى أحيانًا عيد دخول المسيح إلى الهيكل في تمام اليوم الأربعين على ميلاده، حيث تنتهي أشعّة عيد الميلاد.
* تركّز مواضيع الآحاد الخمسة، التي تتبع عيد الدّنح، إذا ما احتُفِلَ بها كُلّها، على اعتلان سرّ المسيح:
1- ليوحنّا المعمدان: "ها هُوَ حَملُ الله الّٰذي يرفعُ خطيئة العالم" (يو 1: 29).
2- للرّسل: "وجدنا مشيحَا، أي المسيح" (يو 1: 41).
3- لنيقوديمس وللشعب اليهوديّ: "لا أحد يقدر أن يدخل ملكوت الله ما لم يولد من الماء والروح" (يو 3: 5).
4- للسامريّة وللشعب السامريّ: "أنا أعلم أنّ مشيحا، أي المسيح، آتٍ" (يو 4: 25).
5- للضَّابط المَلَكِيّ وللشّعوب كافّةً: "فآمن هو وكُلُّ أهلِ بيته" (يو 4: 53).
وما عيد دخول المسيح إلى الهيكل في 2 شباط إلّا اعتلان أيضًا لسرّ المسيح إلى كلّ مِن سمعان الشيخ وحنّة النبيّة. في هذا اليوم الثابت في روزنامة الأعياد السَّيدِيَّة، تَحتفِل الكنيسة برتبة تبريك الشموع، وتُوَدِّع رسميًّا المحور الميلاديّ.

الخاتمة
يقدّم لنا نشيد الكلمة المتجسّد ( يو 1: 1-18) في مطلع الإنجيل الرابع صورة متكاملة عن المجيء الأوّل: فالكلمة المولود من الآب قبل كلّ الدهور كان في البدء مع الله، لا بل كان هو الله (يو 1: 1)، أتى إلى عالمنا، وتجسّد في آخر الأزمنة من مريم العذراء لا من دمٍ، ولا من رغبةِ جسدٍ، ولا من مشيئةِ رجلٍ، بل بفعلِ روح الله القدّوس، وأعطى المؤمنين باسمه، الّذين قبلوه، سلطانًا أن يصيروا أولاد الله ويولدوا الولادة الجديدة من الماء والروح. 
وتبقى الولادتان الأزليّة والزمنيّة غير كافيتين إن لم تكتملا بولادة النعمة في قلب المؤمن. فالكلمة الذي صار بشرًا وسكن بيننا ملآنٌ نعمةً وحقًّا. وهو يدعونا لِأن نأخذ من ملئه نعمةً تلو نعمة (يو 1: 14و 16). والنعمة والحقّ يقابلهما في كتاب العهد الأوّل الرحمة والوفاء. فزمن الميلاد هو زمن المبادرات وأعمال الرحمة الروحيّة والجسديّة، وهو أيضًا زمن الوفاء تجاه من لهم تعبٌ علينا من أجداد وآباء وأنسباء.
ويسوع اِبن الوعد ووريث عرش داود أتى ليتوّج سلالة الأنساب بما فيها من وجوه مشرقة ومغزية، وليمنح الخلاص لشعوب الأرض قاطبةً. يسوع العلامة الفارقة في تاريخ البشريّة يدعونا لِأن نكون اليوم، بنعمته، علامات فارقة في بيوتنا وفي محيطنا. وهكذا يكتمل معنى العيد فينا ونصبح نورًا من نور دِنحِهِ العظيم.