الخوري مايكل حدّاد
مقالات/ 2026-06-30
المشروع الكهنوتي
زندوقة، في ٠٨/٠٦/٢٠٢٦
صاحب
السيادة المطران أنطوان بو نجم السامي الاحترام،
أقف على عتبة السيامة الكهنوتية متأملاً بمسيرةٍ عِشتها وأنا ممتلئ
بالامتنان إذ استذكر كيف كانت يد الله الخفية تعضدني وتساندني. أتأمل فأستذكر كيف
كانت مسيرتي محفوفة في الصعاب ومليئة بالنعم. مسيرة بقدر ما اكتشفت فيها ضعفي
ومحدوديتي اختبرت فيها قوة الله ورحمته هو الذي "من ملئه نلنا نعمةً على
نعمة". (يوحنا ١: ١٦) لذلك قررتُ أن أختار شعاراً لخدمتي الكهنوتية يختصر هذه
المسيرة ويحدد لي طريقاً أكون فيه أميناً، متأصلاً ومتجذراً بها. " إذ إننا
نحمل هذا الكنز بآنية من خزف ..." (٢ كور ٤: ٧) فأبقى متنبهاً من جهةٍ أن هذا
الكنز وهذه النعمة سأحملها بالرغم من هشاشتي فأصرخ مع بولس الرسول: "إن كان
لا بدّ من الافتخار فأنا أفتخر بأوهاني"(٢ كور ١٢: ٥) ومن جهة أخرى لأتذكر
دائماً أني مدعوٌ أن أكون مثل الخزف بين يديّ الله الخزّاف كما يقول الله لشعبه:
هوذا مثل الطين في يد الخزاف مثلكم في يدي. (إرميا ١٨: ٦) هكذا أدع الربّ يشكّلني
كما يشاء فأكون كاهناً بحسب رغبة قلبه. فمشروعي الكهنوتي هو أن أكون خادماً بحسب
قلب الربّ. وإذ طيلة مسيرتنا في الإكليريكية وبعدها تأملنا في وجه المسيح لنسعى
إلى التماهي به، انطبعت في ذهني ثلاث سمات سأسعى إلى تحقيقها علّني أتقدم شيئاً
فشيئاً فأكون كاهناً بحسب قلب الربّ. فمع مهام التعليم والتقديس والتدبير سأسعى
لأكون:
أولاً: كاهناً مصغياً
في بداية مسيرتي دعوةٌ لأكون عند أقدام الربّ أصغي إلى كلامه
فهذا هو النصيب الأفضل كما قال
يسوع لمرتا. فالتأمل بالكلمة والإصغاء الى إلهامات الروح من
خلال الصلاة هما الطريق الوحيد لاكتشاف مشيئة الله واتباعها في حياتي. وهذا
الإصغاء ليس فقط لأعيش بحسب مشيئة الله، بل لأقود قطيعه إلى حيث هو يريد لا إلى
حيث أنا أريد لأن ليس الكاهن إلا وكيلٍ يسعى إلى أن يكون أميناً وليس إلا راعٍ يسعى
ليكتشف مشيئة صاحب القطيع ليقوده إلى المراعي الخصبة. وهذا كله يعلمنا إياه يسوع
إذ ذهب إلى البرّية وصام وصلّى أربعين يومًا قبل انطلاق حياته العلنية، وقضى الليل
كلّه في الصلاة قبل أن يختار الرسل، وكذلك قبل آلامه المحيية، صلّى في بستان الزيتون.
وفي هذا السياق يخبرنا يسوع عن الوكيل الأمين الذي يعطي الطعام
في حينه (لوقا ١٢: ٤٢) وذلك يتطلب معرفةً
عميقةً بالقطيع كي يعرف الوكيل أيّ طعامٍ يعطى وفي أيّ وقت كما فعل القديس بولس
فعبّر عن ذلك قائلاً: "قد غَذَوتُكُم بِاللَّبَنِ الحَليبِ لا بِالطَّعام،
لِأَنَّكُم ما كُنتُم تُطيقونَه ولا أَنتُم تُطيقونَه الآن" (١كور ٣: ٢). هذه
المعرفة تنبع من فعل إصغاءٍ حقيقيٍّ لشعب الله أتخلى فيه عن كلّ
الأحكام المسبقة والأفكار النمطية لمعرفته كما هو لا كما أنا أراه.
ثانياً : كاهناً حاضراً ومتنبهاً
إنّ المحبة تتجلى في
فعل الحضور. فيسوع " الَّذي في صُورَةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة
بل تَجَرَّدَ مِن
ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد" (فيلبي ٢: ٦-٧) "فسكن بيننا" (يوحنا
١: ١٤) ورأى زكا العشار والمقعدَ عندَ البحيرةِ واللاوي على طاولةِ الصيرفةِ
وسفينةَ بطرسَ عندَ الشاطئ ونثناءيلَ تحتَ التينةِ. إنّه متنبّهٌ ومهتمٌّ بكلِّ
مَن مِن حولِه. هكذا أظهر الله محبته
للعالم وهكذا سأسعى لأظهر محبتي، في فعل حضورٍ مميزٍ فعّالٍ ومتنبهٍ على مثال
المعلم. إنّ تغيير الواقع كثيراً ما يكون صعباً أو مستحيلاً، ولكن حضور الكاهن
وتضامنه مع شعبه هو أصدق تعبيرٍ عن محبّته وعلامة لعناية الله بشعبه.
أما من ناحية أخرى، الحضور هو فعل جهوزية. هو جهوزية دائمة
للخروج من الذات والتخلي عن الرغبات الشخصية والدخول في مشروع الله والكنيسة.
وبهذا سأحرص لأكون حاضراً لتلبية أيّة خدمة تطلبها الكنيسة منّي حبّاً بيسوع
وكنيسته.
ثالثاً: كاهناً مرافِقاً
لا يكتمل فعل الحضور إلا من خلال المرافقة لبناء الإنسان على
الصعيد الروحيّ، النفسيّ والاجتماعيّ. وفعل المرافقة هو فعلٌ تتجلى من خلاله
السينودسية إذ إنه فعل السير مع الآخر، الإصغاء اليه والتمييز معه لبنائه وتنميته
على جميع المستويات. وفي المرافقة رحمة إذ إن المرافق مدعوٌ أن يلاقي الآخر حيث هو
وكما هو للارتقاء معاً. يعبّر عن ذلك النبي أشعيا فيقول: "القَصَبَةُ
المَرْضوضةُ لن يَكسِرَها والفَتيلةُ المُدَخِّنَةُ لن يُطفِئَها". (أشعيا
٤٢: ٢) وبهذا رجاءٌ فالمرافق هو من يعرف أن يرى الرجاء حيث لا يراه الآخرون. لا
يكسر الإنسان في لحظة ضعفه، ولا يطفئ الشرارة الصغيرة فيه، بل يقترب منه برأفة
وصبر، ليساعده على اكتشاف قيمته، وقوّته، وطريقه نحو النضج والحياة.
بالختام أشكر الله الذي لا ينفك يسبغ علينا من نعمه، الذي يسمع
طلبتنا، الحاضرُ دائماً معنا والذي يرافقنا في كلّ خطوة في حياتنا.
أشكر سيادتكم على الثقة التي منحتموني إياها وأشكر الأبرشية على كلّ ما قدمته لي
من مرافقة وتنشئة وكذلك الإكليريكية البطريركية المارونية.
أشكر أهلي وعائلتي وأقربائي وكل من قدم لي دعماً وكان لي سنداً.
أرفع صلاتي على نيتهم جميعاً وأطلب أن تذكروني في صلاتكم لأنمو بالأمانة
لهذا المشروع.
الشمّاس مايكل حداد