المشروع الكهنوتيّ للخوري شربل بعقليني

المشروع الكهنوتيّ للخوري شربل بعقليني

صاحبَ السّيادةِ المطرانَ أنطوان بو نجم المحترمَ،

إنِّي، بِنعمةِ اللهِ، أقفُ اليومَ على عَتبةِ سِيَامتي الكهنوتيّةِ، حامِلاً في قَلْبي رَجاءً كبيرًا وَمُقَدّسَاً، ومُتَطَلّعًا إلَى خِدْمَةِ الآبِ السّماويّ. لذلكَ أضعُ بيْنَ أيْدِيكم مشروعِي الكهنوتيَّ كمسيرةِ تمييزٍ لمشيئةِ اللهِ في حياتي أعيشُها في حِضْنِ الكنيسةِ وَبِرِعايتِكُم الأبويّةِ.

لقدِ انطبعَتْ فِيْ داخلِي كلمةُ الرّسولِ بولُسَ: "وما نحن إلاَّ خدمٌ لكم مِن أَجْلِ يسوع" (٢ كورنثوس ٤/ ٥) كحقيقةٍ تُعاشُ، لأنَّ الكهنوتَ، في عُمقِهِ، تخلٍّ دائمٌ لِعُبورِ الرّسالةِ من خِلالي. ومِنْ هذه الكلمةِ، يتشكّلُ وَعْيي لِدَعْوَتِي في ثلاثةِ مساراتٍ مُترابطةٍ:

١- حُلُمِي أنْ أكونَ خادِمًا حاضرًا:

إنَّ الخِدمةَ، في جوهرِها، تبدأُ مِنَ الحضورِ. فاللهُ لمْ يُخلّصِ الإنسانَ منْ بعيدٍ، بلْ "صارَ جَسَدًا وَسَكَنَ بيْنَنا" (يوحنا ١/ ١٤). هذا الحضورُالإلهيُّ في قلبِ التّاريخِ هوَ النّموذجُ الذي أدعى أنْ أتشبّهَ بِهِ كَكاهنٍ.

 لذلكَ، حُلُمِي أنْ أكونَ قريبًا مِنْ واقِعِ شَعْبِي لأنَّ الرّبَّ نفسَهُ "رأى الجموعَ فَتحنَّنَ عليْهِم لأنَّهُمْ كانُوا مُتْعَبينَ، مُرْهَقين مثلَ غَنَمٍ لا راعيَ لَها" (متى ٩/ ٣٦).

وهذا الحُضورُ يَتَطلّبُ مِنِّي إصغاءً حقيقيًّا، لأنَّ الكاهنَ يَدخُلُ في سرِّ الإنسانِ. وهنا أستضيءُ بِكلمةِ الرَّبِّ: "مَنْ لَهُ أذنانِ للسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ"(مرقس ٤/ ٩)، لكيْ أتعلَّمَ أنَّ الإصغاءَ هُوَما يقولُهُ اللهُ في حَياةِ النّاسِ.

حُلُمِي أنْ أكونَ كاهِنًا يَقودُ النّاسَ إلى اللّقاءِ بالمسيحِ، وكاهنًا يعيشُ ما يقولُهُ الرّسولُ: "اِفرحوا معَ الفرحينَ وابكُوا مع الباكينَ" (روما ١٢/١٥)، لِيُصبحَ حضورِي علامةَ رجاءٍ.

٢- حُلُمِي أنْ أكونَ خادِمًا مُتَجَرّدًا

إنَّ قَوْلَ القدّيسِ بولسَ"خدمٌ لكُمْ منْ أجلِ يسوعَ" يَدْعُوني إلى مسيرةِ تحرّرٍ منَ الذّاتِ على مثالِ المسيحِ الّذي"أَخْلَى ذاتَه، آخذًا صورةَ عَبْدٍ" (فيلبي ٢/ ٧)، فالكهنوتُ دَعْوَةٌ لِلْخُروجِ مِنْ كُلِّ تَمَرْكُزٍ حَوْلَ الذّاتِ، لِكَيْ يُصْبِحَ المسيحُ هُوَ المركزَ الحقيقيَّ والكنزَ الأبديَّ، فأكونُ بعيدًا عن الممتلكاتِ والنّجاحِ، وقَريبًا مِنَ المُتألّمينَ والمُهَمَّشينَ مُسْتَحْضِرًا قَوْلَ الرَّبِّ: "حَيْثُ يَكونُ كنزُكَ، هناكَ يكونُ قلبُكَ"(متى ٦/ ٢١) وبِذلك تكونُ خِدْمَتي اقْتِرابًا فِعْلِيًّا مِنَ الجِراحِ البَشَرِيَّةِ.

٣- حُلُمِي أنْ أكونَ خادِمًا ثابِتًا في الرَّبِّ

إنَّ كلَّ ما سَبَقَ يَبْقى مُهَدَّدًا بالفَراغِ إنْ لمْ يَتَجَذَّرْ في عَلاقةٍ حيَّةٍ معَ الرَّبّ، لِأنَّهُ "بِدوني لا تَقْدِرونَ أنْ تَفْعَلُوا شيْئًا" (يوحنا ١٥/ ٥).

حُلُمِي أنْ تكونَ صَلاتِي مَكانَ عَوْدَتِي الدّائِمَةِ، حَيْثُ أتعلّمُ أنْ أكونَ خادِمًا قبلَ أنْ أكونَ فاعِلًا. فَفِي الصّلاةِ، لا أقَدّمُ نفسِي كَمَنْ يَملِكُ، بلْ كَمَنْ يَحْتاجُ إلى أنْ يَتَغذّى من كلمةِ اللّهِ. وَهُنا أَسْتَحْضِرُ صورةَ يسوعَ الّذي "كانَ يَعتزِلُ في البَراري وَيُصَلّي" (لوقا ٥/ ١٦)، حتَّى فِي قَلْبِ خِدمتِهِ.

ومِنْ هذا الثَّباتِ أَستَمِدُّ القدرةَ على الاستمرارِ في اللّحظاتِ الصّعبةِ، مُسْتَذْكِرًا وَعْدَ الرَّبِّ "تَكفيكَ نِعْمَتِي، لأنَّ قوَّتِي في الضَّعْفِ تُكْمَلُ" (٢ كورنثوس ١٢/ ٩).

 

خِتامًا، إنَّ اختيارِي لهذِهِ الآيةِ "وما نحن إلاَّ خدمٌ لكم مِن أَجْلِ يسوع" (٢ كورنثوس ٤/ ٥)، هُوَ التِزامٌ يَوْمِيٌّ بِأنْ أَعيشَ الكَهْنوتَ كانْتِماءٍ كاملٍ لِلْمَسيحِ، وَعَطاءٍ للنَّاسِ لأنّني مدعوٌّ إلى المحبّةِ والخدمةِ.

أضَعُ بَيْنَ أيْديكُم هَذا الكِتابَ، طالِبًا صلاتَكُم ومُرافقتَكُمُ الأبويَّةَ، لِكَيْ أتعلَّمَ أنْ أكونَ خادِمًا أَمينًا، يَسْمَحُ لِلْمَسيحِ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ، وَمِنْ خِلالِهِ، لِمَجْدِ اللهِ وَبُنْيانِ الكَنيسةِ.

الشماس شربل بعقليني

في ٢٩ أيار ٢٠٢٦