الخوري جوناثان صليبا
مقالات/ 2026-06-30
»يا
سَيِّدُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوعَ « (يو 12 : 21)
صاحب السّيادة المطران أنطوان بو نجم السّامي الإحترام،
على أبواب سيامتي الكهنوتيّة، أقدّم لسيادتكم المشروع الكهنوتيّ
الّذي أطلب من الله أن يرافقني كلّ أيّام خدمتي لأتمكّن من تحقيقه. بنيت مشروعي
الكهنوتيّ على الآية الّتي اخترتها شعار لي في هذه المسيرة من إنجيل يوحنّا:
"يا سيّد، نريد أن نرى يسوع" (يو 12: 21). أقصد في خدمتي أن أظهر ثلاث
وجوه ليسوع اختبرتها قبل وخلال تلبية الدّعوة، يتوق العالم اليوم إلى رؤيتها وهي :
وجه يسوع الرحوم، وجه يسوع المحبّ بمجّانيّة ووجه يسوع الخادم.
أوّلاً : وجه يسوع الرّحوم
منذ بداية مسيرتي مع الله، اكتشفت أنّ أكثر ما يجذب الإنسان إلى
يسوع هو رحمته. هو لم يأتِ ليبحث عن الكاملين، إذ أنّه دعا المتعبين والخطأة
والمجروحين أن يتبعوه. وقد اختبرت شخصيًّا أنّ رحمة الله لقاء حيّ يغيّر القلب ويعطي بداية جديدة.
في مراحل مختلفة من حياتي، مررت بلحظات ضعف وحيرة وخوف على
المستقبل، لكنّي كنت أجد دائمًا أنّ الربّ ينتظرني بصبر، لا ليحاسبني بل ليعيدني
إليه. ومن خلال الصلاة وسرّ الاعتراف ومرافقة بعض الكهنة، تعلّمت أنّ الله لا يملّ
من الإنسان، وأنّ رحمته أقوى من كلّ ضعف.
لهذا أريد أن يكون كهنوتيّ شهادة حيّة لرحمة المسيح، خاصّة تجاه
الأشخاص الّذين يشعرون أنّهم بعيدون عن الله أو مرفوضون من المجتمع. أريد أن أعيش
ما قاله يسوع: «لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب، بل المرضى» (مر 2: 17). فالكاهن مدعوّ
ليكون صورة للراعي الصالح الّذي يبحث عن الخروف الضالّ ويحمله بفرح على كتفيه (لو
15: 4-7).
كما أتأمّل كثيرًا بلقاء يسوع مع بطرس بعد الإنكار (يو 21:
15-19). فبدل أن يوبّخه، أعاد إليه ثقته ودعوته. هذه النظرة المملوءة رحمة هي ما
أريد أن أحمله في خدمتي: أن أساعد الإنسان على النهوض بدل أن أبقى عند ضعفه.
وفي عالم يكثر فيه الحكم والإدانة، الكنيسة مدعوّة أكثر من أيّ
وقت مضى لتُظهر وجه الله الرّحوم. لذلك أطلب من الربّ أن يعطيني قلبًا قادرًا على
الإصغاء، والتفهّم، ومرافقة الناس في آلامهم وأسئلتهم، لكي يختبر كلّ من يلتقي بي
أنّ الله قريب منه ويحبّه كما هو.
ثانيًا : وجه يسوع المحبّ بمجّانيّة
"فنظر إليه يسوع
وأحبّه" (مر 10: 21).
تكشف هذه الآية طريقة يسوع في النظر إلى الإنسان. المسيح لا
ينظر إلى ضعف الإنسان أو نقصه أو ماضيه، فهو يرى قلبه ويدعوه إلى حياة أعمق. إنّها
نظرة محبّة مجانيّة، صادقة، وقادرة أن تغيّر الإنسان من الداخل.
في مسيرتي الشخصيّة، اختبرت هذه النظرة من الربّ في أوقات
كثيرة، خصوصًا في اللحظات الّتي شعرت فيها بعدم الاستحقاق أو بالتردّد أمام
الدعوة. لكنّي كنت أكتشف دائمًا أنّ الله لا يدعوني لأنّي كامل، بل لأنّه يحبّني
ويريد أن يعمل في حياتي. ومن خلال أشخاص رافقوني بمحبة وتشجيع وصلاة، فهمت أنّ
محبّة الله تُعاش أحيانًا عبر حضور بسيط لكن صادق.
لهذا أريد أن يكون كهنوتيّ انعكاسًا لنظرة يسوع المحبّة لكلّ
إنسان. أريد أن أستقبل الجميع بقلب مفتوح، دون أحكام أو تمييز، وأن أساعد الأشخاص
على اكتشاف أنّهم محبوبون من الله مهما كانت ظروفهم. فالإنسان اليوم، رغم كلّ ما
يملكه، يبقى عطشانًا إلى محبّة حقيقيّة تعطيه قيمة ورجاء.
كما أريد أن أكون قريبًا من أبناء رعيّتي، لأنّي أؤمن أنّهم
يحتاجون إلى من ينظر إليهم برجاء وثقة، كما نظر يسوع إلى الشابّ الغنيّ. فرغم أنّ
هذا الشابّ لم يستطع أن يتبع يسوع في تلك اللحظة، إلّا أنّ المسيح أحبّه أوّلًا،
بمجّانيّة، دون انتظار مقابل.
أطلب من الربّ أن يعطيني قلبًا يحبّ بمجّانيّة، ويستطيع أن يرى
في كلّ إنسان صورة الله، لكي تصبح خدمتي شهادة حيّة للمسيح الّذي ما زال ينظر إلى
العالم اليوم بحبّ.
ثالثًا : وجه يسوع الخادم
قال يسوع لتلاميذه: «إنّ ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم بل
ليَخدِم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين» (مر 10: 45). لذلك أؤمن أنّ الكهنوت الحقيقيّ
هو خدمة متواضعة ومبذولة.
أريد أن أعيش كهنوتًا بعيدًا عن روح السلطة والتكبّر، قريبًا من
الناس ومن احتياجاتهم اليوميّة. فالكاهن ليس سيّدًا على الجماعة، بل أخ وأب وخادم
يسير معها.
عندما أتأمّل بمشهد غسل الأرجل (يو 13: 1-15)، أتعلّم من يسوع ميزة
القائد الحقيقيّ: القائد الّذي ينحني ليخدم. ومن هنا أرغب أن تكون حياتي
الكهنوتيّة مبنيّة على التواضع، الإصغاء، والتعب اليوميّ من أجل خلاص كلّ من
اتمنهم لي الرّب لأكون خادمًا لهم.
ختاماً أشكر سيادتكم على المرافقة الأبويّة الدّائمة طوال
المسيرة، خاصةً في مرحلتا الشّديقة والشّماسيّة. كنت، كما سائر الطلاّب
الإكليريكيّين، محطّ إهتمام دائم من قبل سيادتكم، كي نصل بأفضل طريقة إلى الكهنوت،
شاعرين بأنّنا ننتمي إلى عائلة نفتخر بالإنتماء إليها.
عيد العنصرة،
24/5/2026
الشّمّاس جوناثان صليبا