المشروع الكهنوتي للخوري جوني معوّض

المشروع الكهنوتي للخوري جوني معوّض

"هُناك أيضًا يَدُكَ تَهْديني، ويَمينُكَ تُمسِكُني" (مز  ١٣٩: ١٠)

صاحب السيادة المطران أنطوان بو نجم السامي الاحترام،

أتقدّم من سيادتكم بهذا الكتاب لا لأعرض مشروعًا من صنع يدي، بل لأضع أمامكم مسيرةً لا تزال قيد النّموّ، مسيرة دعوة أختبرها يومًا بعد يوم، وأحاول أن أعيشها بأمانة وسط ضعفي. أشعر أنّي لا أكتب برنامجًا لما سأكونه، بل أعترف أمام الله والكنيسة بما أؤمن أنّ الله بدأه فيّ، وما أرجو أن يكمّله بنعمته، وتحت نظركم. لذلك أقدّم لكم تصوّري لمشروع الله في حياتي.

منذ أن بدأت أعي دعوتي، لم أستطع أن أفصلها عن خبرة عميقة رافقتني: أنّ الله هو الذي سبقني دائمًا. لم تكن الدعوة يومًا قرارًا شخصيًا واضح المعالم، بل كانت أشبه بمسار يقودني، أحيانًا بلطف، وأحيانًا في أحداث مؤلمة اختبرت فيها يد الله الّتي ترافقني،فكنت أخرج منها وأنا أكثر يقينًا أنّي لست وحدي. من هنا، وجدت نفسي أتمسّك بهذه الكلمات: "هُناك أيضًا يَدُكَ تَهْديني، ويَمينُكَ تُمسِكُني". هذه ليست آية أزيّن بها مشروعًا، بل هي خلاصة اختبار: أنّ الله لا يكتفي بأن يدلّني على الطريق، بل يمسك بي كي لا أسقط، ويقودني حتى عندما لا أرى. هكذا أرى يده الّتي تعتني بي وترافقني.

وفي عمق هذه المسيرة، أكتشف أكثر فأكثر أنّ دعوتي ليست أن أكون في الواجهة، بل أن أكون طريقًا يمرّ من خلاله المسيح. لذلك، تلامسني كلمة الرب: "لَيسَ أَنتُمُ اختَرتُموني، بَل أَنا اختَرتُكُم" (يو ١٥: ١٦)، لأنها تضعني أمام حقيقة مقلقة وجميلة في آن: أنّ حياتي لم تعد لي. إنّها دعوة لأخرج من ذاتي، لأحقّق قصد الله في حياتي: فلا أعود أنا أحيا، بل المسيح يحيا فيَّ (غل ٢: ٢٠).

لهذا السبب، أجد نفسي منجذبًا بعمق إلى مثال يوحنا المعمدان. في شخصه أرى ما أتمناه لنفسي: إنسانًا لم يتمسّك بذاته، بل عرف أن يتراجع لكي يظهر الله. كلمته "يَنبَغي أَنَّهُ هوَ يَزيدُ وأَنّي أَنا أَنقُصُ" (يو ٣: ٣٠) لا أراها مجرّد فضيلة، بل طريقًا. أشعر أنّ كهنوتي، إن كان له أن يكون حقيقيًا، يجب أن يُبنى على هذا التناقص. ألا أبحث عن حضوري، بل عن حضوره. ألا أُسمِع صوتي، بل أن أكون صوتًا يشير إلى الكلمة المتجسّد.

أرغب أن أكون، على مثال يوحنا، شاهدًا للحق. لا بالمعنى النظري أو التعليمي فقط، بل بالمعنى الحسّي الملموس: أن تكون حياتي نفسها علامة. العالم اليوم لا يفتقر إلى الكلام على الله، بل إلى من يجعل الله مرئيًا في حضوره، في أمانته، في محبّته. لذلك أخاف من كهنوت يصبح دورًا، أو وظيفة، أو حتى نجاحًا رعويًا، أكثر مما أخاف من ضعفي. لأن ضعفي هو مكان تتجلّى فيه قوّة الله ونعمته (٢ قور ١٢: ٩)، أما كهنوت يتمحور حول ذاته، فيفقد جوهره. من هنا أشعر بأن دعوتي الكهنوتيّة تتحقّق من خلال الصلاة، الخدمة، الطاعة والعائلة.

أوّلًا الصلاة،

الصلاة هي المكان الّذي أنمي به علاقتي الشخصيّة مع الرب. إن لم أكن ثابتًا في الرّبّ، كيف أستطيع أن أحمل أحدًا إليه؟ وإن لم أسمح لكلمته أن تغيّرني، كيف أجرؤ أن أعلنها؟ لذلك، أرى أن التّحدّي الحقيقيّ في كهنوتي سيكون دائمًا من الداخل: في أمانتي للصلاة، في صدقي مع الله، في قدرتي على أن أعود إليه كلما ابتعدت. لأنّي مقتنع أنّ كل خدمة، مهما كانت جميلة، تفقد معناها إن لم تنبع من هذا الاتحاد، لذلك أطمح دائِمًا أن أكون رجل صلاة، أوّلًا في عائلتي، مع أهلي وإخوتي وزوجتي. ثانيًا في الرّعيّة، فلا أؤدّي خدمتي في التّقديس كفرض، بل كفرصة فيها يتجلّى الله أمام أبناء رعيّتي.

ثانيًا الخدمة،

في خدمتي لا أطمح أن أكون كاهنًا يقوم بكل شيء، بل كاهنًا يكون حاضرًا. حاضرًا مع الناس، في بساطة حياتهم، في أسئلتهم، في ضعفهم، في بحثهم. أريد أن أكون قريبًا، لا لأن هذا واجب رعوي، بل لأن المسيح نفسه اختار أن يكون قريبًا. أن أرافق، أن أصغي، أن أحتمل، أن أحب، حتى عندما لا أرى نتائج واضحة. لأنّي أؤمن أنّ الكاهن لا يُقاس بما ينجزه، بل بما يعكسه من حضور الله.

وفي هذا الحضور بالذات، أرجو أن أعيش على مثال يوحنا المعمدان، لا كمن يفرض ذاته، بل كمن يكتفي بأن يكون صوتًا يشير إلى الآخر، شاهدًا للحق من خلال أمانته لدعوته. فكما هيّأ الطريق أمام الربّ دون أن يحتلّ مكانه، أريد أن أكون أنا أيضًا علامة تقود إلى المسيح، أساعد من أُرسَل إليهم على اكتشاف حضوره، وأدعوهم، لا بالكلام فقط، بل بالحياة، إلى التوبة وعيش ملكوت الله في حياتنا اليوم.

ثالثًا في الطاعة،

سيادة المطران، أعي أنّ هذه المسيرة لا يمكن أن تُعاش إلا في حضن الكنيسة، وفي شركة حيّة معكم. لذلك، أضع نفسي بين أيديكم، لا فقط لأُرسَل، بل لأنمو. أريد أن أعيش الطاعة لا كواجب، بل كثقة، كإيمان أنّ الله يقودني أيضًا من خلال الكنيسة، ومن خلالكم أنتم بشكل خاص. وأطلب أن أبقى دائمًا في هذا الموقف البنويّ، الذي يقبل أن يتعلّم، أن يتغيّر، وأن يُقاد.

وفي هذا الطريق، أجد في يوحنا المعمدان مثالًا حيًّا للطاعة التي تُترجم في الحياة. فقد عاش دعوته كاستجابة كاملة لصوت الله، لا كمشروع ذاتي، بل كإخلاء مستمرّ للذات، بحيث لم يسعَ إلى تثبيت حضوره، بل إلى إعلان حضور المسيح. ومن خلال هذه الطاعة، لم يكتفِ بأن يكون صوتًا للحق، بل صار شاهدًا له حتى النهاية، حتى بذل ذاته في سبيله. من هنا، أرجو أن أتعلم أن أعيش طاعتي على هذا النحو: طاعة تُحرّرني من ذاتي، وتفتحني على مشيئة الله، وتجعل من حياتي شهادة صادقة للحق، مهما كانت الكلفة.

رابعًا العائلة،

في هذه المسيرة التي لا أعيشها وحدي، أجد نفسي مدعوًا أولًا إلى العودة بامتنان إلى العائلة التي وُلدت فيها، والتي فيها وُلدت أيضًا بذور دعوتي. ففي حضنها تعلّمت معنى الإيمان البسيط، واختبرت حضور الله في تفاصيل الحياة اليومية، واختبرت عنايته الإلهيّة وتشكّل في داخلي هذا الانفتاح الأول على صوت الله. إنّ ما أنا عليه اليوم هو، إلى حدّ كبير، ثمرة هذه الجذور التي نمت في بيتي، حيث لم يكن الله فكرة، بل حياة تُعاش.

ومن هذا الأساس، أعيش اليوم دعوة جديدة ضمن شراكة حياة، حيث أجد في زوجتي جنيفر رفيقة درب اختارت، بحرية وإيمان، أن تتبنّى معي هذا المشروع الكهنوتي. إنّ حضورها في حياتي ليس فقط دعمًا إنسانيًا، بل هو مشاركة حقيقيّة في حمل هذه الدعوة، وفي مواجهة تحدّياتها، وفي العيش اليومي لأمانة الله. إنّها لا تقف إلى جانبي فحسب، بل تسير معي في هذه المسيرة، مؤمنة بأنّ الكهنوت الذي أُدعى إليه هو أيضًا مسيرة عطاء نعيشها معًا، كلٌّ بحسب دعوته. ومن خلال هذا الاتحاد، أرجو أن يبقى بيتنا مكانًا تُعاش فيه الصلاة، ويُشهد فيه لحضور الله، قبل أن يُعلن في أي مكان آخر.

ختامًا، في عالمٍ تتزعزع فيه كلّ الثوابت، أشعر أنّ رسالتي، هي أن أكون علامة رجاء. ليس رجاءً يُقال، بل رجاءٌ يُعاش. أن يرى الناس فيّ، في ضعفي خاصةً، أنّ الله ما زال يعمل، وما زال يقود، وما زال يُمسِك. أن أكون شاهدًا أنّ حضور الله ليس فكرة، بل واقع يمكن أن يُعاش.  لا أملك الكثير لأقدّمه سوى هذا: رغبتي بأن أكون أمينًا. لا كاملاً، بل أمينًا. لا قويًا بذاتي، بل متّكلاً على ذاك الذي وعد أن يقودني. أضع حياتي بين يدي الله، وأضعها أيضًا بين أيديكم، طالبًا أن تنمو بحسب ما يريد هو من خلالكم أنتم، فتبقى مشيئتي مشيئتَهُ وكهنوتي صورة لحضورِهِ، وأبقى متمسّكًا بهذه الحقيقة التي تعزّيني وتعطيني الرجاء: أنّي أينما كنت، ومهما كانت الطريق، "هُناك أيضًا يَدُكَ تَهْديني، ويَمينُكَ تُمسِكُني".

أطلب بركتكم وصلاتكم،

ابنكم الشمّاس جوني جورج معوّض،

الفريكة في خميس الصعود ١٤/٠٥/٢٠٢٦