كَسر الكلمة -36- الأحد الرابع من زمن العنصرة

كَسر الكلمة -36- الأحد الرابع من زمن العنصرة

الأحد الرابع من زمن العنصرة
يسوع يبتهج بالروح
(لوقا 10: 21-24)
21. وفي تِلْكَ السَّاعَةِ ابْتَهَجَ يَسُوعُ بِالرُّوحِ القُدُس، فَقَال: "أَعْتَرِفُ لَكَ، يَا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَاءِ وَالأَرْض، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هـذِهِ الأُمُورَ عَنِ الـحُكَمَاءِ وَالفُهَمَاء، وَأَظْهَرْتَها لِلأَطْفَال. نَعَم، أَيُّهَا الآب، لأَنَّكَ هـكذَا ارْتَضَيْت.
22. لَقَدْ سَلَّمَنِي أَبي كُلَّ شَيء، فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ الابْنُ إِلاَّ الآب، وَلا مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الابْن، وَمَنْ يُريدُ الابْنُ أَنْ يُظْهِرَهُ لَهُ".
23. ثُمَّ التَفَتَ إِلى تَلامِيذِهِ، وقَالَ لَهُم عَلى انْفِرَاد: "طُوبَى لِلْعُيونِ الَّتِي تَنْظُرُ مَا أَنْتُم تَنْظُرُون!
24. فَإِنِّي أَقُولُ لَكُم: إِنَّ أَنْبِياءَ وَمُلُوكًا كَثِيرِينَ أَرادُوا أَنْ يَرَوا مَا أَنْتُم تَنْظُرُون، فَلَمْ يَرَوا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا تَسْمَعُون، فَلَمْ يَسْمَعُوا"

مقدّمة
في الأحدِ الرَّابِعِ من زمنِ العنصرةِ، ومن خلالِ صلاةِ يسوعَ الّتي يسردُها لنا القدّيسُ لوقا في النَّصِّ الّذي نحن بصدِدِه، نجدُ يسوعَ يتوجَّهُ إلى الاثنين والسَّبعينِ، وهو بذلك يُكمِلُ ما بدأَه مع الاثني عشَرَ الّذين يرمزون إلى أسباطِ إسرائيلَ. لذا فالنَّصُّ يوجَّه إلى كلِّ مؤمنٍ اليومَ ومن خلال الاثنين والسَّبعين، لم يعرفْ يسوعُ على المستوى الجسدي والحسِّيّ، حتّى ينطلقَ لإعلانِ الإنجيلِ في المسكونةِ كلِّها.

شرح الآيات
21. وفي تِلْكَ السَّاعَةِ ابْتَهَجَ يَسُوعُ بِالرُّوحِ القُدُس، فَقَال: أَعْتَرِفُ لَكَ، يَا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَاءِ وَالأَرْض، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هـذِهِ الأُمُورَ عَنِ الـحُكَمَاءِ وَالفُهَمَاء، وَأَظْهَرْتَها لِلأَطْفَال. نَعَم، أَيُّهَا الآب، لأَنَّكَ هـكذَا ارْتَضَيْت

أرسلَ يسوعُ تلاميذَه ليُعلنوا البشارةَ وقد عادوا إليه يخبِروه بنجاحِ رسالتِهم. إلاّ أنّ ذلك لم يكنْ سببًا مباشرًا لفرحِ يسوعَ أو تهلُّلِه، بل حدَّدَ لوقا أنَّ الرُّوحَ القدسَ كان وراءَ فرحِ المعلّمِ. فالرَّبُّ هو مصدرُ كلِّ فرحٍ حقيقيٍّ ودائمٍ عن الإنجيليّ. فنَجِدُ في نشيدُ مريمَ على سبيلِ المثالِ "تبتَهِجُ روحي باللهِ مخلّصي". هو فرحُ كلِّ مؤمنٍ متّحدٍ باللهِ ووضعَ رجاءَه به، ولا همَّ له في حياتِه غيرَ أنْ يَتِمَّ هذا الفرحُ بإعلانِ كلمتِهِ. بالتّالي، يقومُ لوقا بمقارنةٍ واضحةٍ وجليّةٍ بين فرحِ التّلاميذِ النّاتجِ عن نجاحِ رسالتِهم وفرحِ يسوعَ الَّذي مصدرُه الرُّوحُ القدسُ. والمقارنةُ أيضًا نجدُها في النَّصِّ على مستوى السَّماءِ والأرضِ وأخرى على مستوى الحكماءِ والبسطاءِ. بمعنًى آخرَ، كلُّ معرفةٍ أرضيّةٍ للهِ تقومُ على العقلِ والمنطقِ والتَّحليلِ ولن تصِلَ إلى مبتغاها، في حينِ أنَّ المعرفةَ الرُّوحيّةَ للرَّبِّ تقومُ على منطقِ الحبِّ الّذي يربطُ الحبيبَ بحبيبِهِ، إنّه منطقُ البسطاءِ والأطفالِ الّذين لا يبرحون يفتّشِون ويسألون إلى أن يحصلوا على أجوبةٍ تقنعُهُم. نعم، علينا أنْ نستعينَ بقدراتِنا العقليّةِ والفكريّةِ في بحثِنا وفَهْمِنا للهِ، لكن، وبحسبِ علمِنا المُسبقِ أنَّ من نُفَتِّشَ عنه يتخطّى قدراتِنا البشريّةَ الواجِبَ تخطّيها بالاستِنادِ إلى منطقِ الحُبِّ.

22. لَقَدْ سَلَّمَنِي أَبي كُلَّ شَيء، فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ الابْنُ إِلاَّ الآب، وَلا مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الابْن، وَمَنْ يُريدُ الابْنُ أَنْ يُظْهِرَهُ لَهُ
لقد أعطى الآبُ ابنَه كلَّ شيءٍ، بما في ذلك السَّماءَ والأرضَ. كيف لا وهو "الكلمةُ" الّتي بها كان كلُّ شيءٍ، ومن دونِها ما كانَ شيءٌ؟! ولأنّه قد تسلَّمَ كلَّ شيءٍ، قد سدَّ بذلك عجزَ إنسانيّتِنا الّتي تصطدِمُ بمحدودِيّتِها في فهمِ حقيقةِ اللهِ. فصارَ بوسعِنا فهمُ هذه الحقيقةِ بيسوعَ الّتي حلَّتْ به حكمةُ اللهِ وفهمِه. من خلالِ يسوعَ، تصالَحْنا مع الآبِ، وبيسوعَ دخلْنا بعلاقةِ حبٍّ بنويّةٍ معه، فصرْنا بذلك أطفالاً يكشِفُ لنا عن هويّتِه. فإنْ كانَ جوهرُ اللهِ محبّةً، فلا يمكِنُ للإنسانِ أنْ يفهمَ هذا الجوهرَ إلاّ إذا عرفَ الدّخولَ في علاقةِ حبٍّ معه، فيصيرُ فاعلًا في ديناميّةِ الحبِّ الّتي تربِطُ الآبَ والابنَ والرُّوحَ القدسَ. وحدَه الابنُ يُظهرُ لنا من هو الآبِ، ومن دونِه لا معنى لأيِّ مجهودٍ بشريٍّ في هذا الصَّددِ.

23. ثُمَّ التَفَتَ إِلى تَلامِيذِهِ، وقَالَ لَهُم عَلى انْفِرَاد: "طُوبَى لِلْعُيونِ الَّتِي تَنْظُرُ مَا أَنْتُم تَنْظُرُون!
24. فَإِنِّي أَقُولُ لَكُم: إِنَّ أَنْبِياءَ وَمُلُوكًا كَثِيرِينَ أَرادُوا أَنْ يَرَوا مَا أَنْتُم تَنْظُرُون، فَلَمْ يَرَوا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا تَسْمَعُون، فَلَمْ يَسْمَعُوا"

توجَّه يسوعُ أوّلًا إلى تلاميذِه العائدين من الرّسالةِ. غيرَ أنّ الكلماتِ التي يوجِّهُها تدلُّ في طبيعتِها على توسّعٍ في فكرتِه وعلى رفعِ صوتٍ يودُّ أنْ يصلَ إلى كلِّ السّامعين المقبلين لتعليمِه. لهذا كانَ من الطّبيعيِّ أنْ يعودَ المعلِّمُ بعدَ هذا الكلامِ الحماسيِّ إلى الّذين كانوا مميّزين فرأوا بعيونِهم ما اكتفى الآخرون بأنْ يؤمنوا به ويترجَّوه. لقدْ رأوا بعيونِهم إتمامَ خلاصِ الرَّبِّ، وتحقيقِ وعودِه. اشتهى داودُ أن يرى خلاصَ اللهِ الّذي أعلنَ اقترابَ تحقيقِه فلم يقدِرْ. واشتهى سليمانُ أنْ يعاينَ حكمةَ اللهِ الّتي لَطالما تحدّثَ عنها فلمْ يستَطِعْ. حتّى إنّ الأنبياءَ الّذين نادوا بخلاصِ اللهِ فلم يعاينوه. وحدَهم بسطاءُ الجليلِ استطاعوا أنْ يعاينوا ويروا بعيونِها ما اشتهى داودُ وسليمانُ والأنبياء أنْ يعاينوه. صيّادون أحبّوا يسوعَ، وتركوا شِباكَهم، مصدرَ رزقِهِم وعيشِهم، وتبعوه، لا همَّ لهم غيرُ إعلانِ إنجيلِ الخلاصِ. هؤلاءِ وحدَهم عاينوا الحكمةَ الإلهيّةَ وعاينوا خلاصَ اللهَ في شخصِ يسوعَ.

خلاصة روحيّة
"في هؤلاءِ التّلاميذ نرى أنفُسَنا نحنُ اليومَ، وفي الطُّوبى الّتي أعطاها اللهُ لهم، نسمعُها تُوجَّهُ إلينا أيضًا، نحنُ الّذين آمنّا دون أنْ نرى، نحنُ الّذين نثِقُ دونَ أنْ نلمُسَ، ونؤمِنَ لأنّنا نُحِبُّ، نَحْنُ الّذين نَضَعُ أنفسَنا في خدمةِ البشارةِ، في حياتِنا اليوميّةِ، في كلِّ عملِ محبّةٍ نقومُ به تُجاهَ الآخرين، في كلَّ كلمةِ مؤاساةٍ، في كلِّ لمسةِ حنانٍ، في كلِّ نظرةِ تعزيةٍ، في كلِّ كلمةِ تشجيعٍ، في كلِّ سلامٍ، في كلِّ نظرةٍ، في كلِّ لحظةِ مغفرةٍ، وفي كلِّ قبولٍ للاختلافِ، نكونُ مشاركين في خلاصِ الرّبِّ، ونسمعُه يقولُ لنا "طوبى لكم"، ونعلمُ أنَّ هذه هي المعرفةُ الحقّةُ، المعرفةُ الّتي تُحِبُّ، لا المعرفةَ الَّتي تفهَمُ".


تحميل المنشور