كَسر الكلمة -22- أحد شفاء المخلّع

كَسر الكلمة -22- أحد شفاء المخلّع

أحد شفاء المخلّع
(مرقس 2: 1-12)
1. وبَعْدَ أَيَّامٍ عَادَ يَسُوعُ إِلى كَفَرْنَاحُوم. وسَمِعَ النَّاسُ أَنَّهُ في البَيْت.
2. فتَجَمَّعَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنْهُم حَتَّى غَصَّ بِهِمِ الـمَكَان، ولَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ لأَحَدٍ ولا عِنْدَ البَاب. وكانَ يُخَاطِبُهُم بِكَلِمَةِ الله.
3. فأَتَوْهُ بِمُخَلَّعٍ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةُ رِجَال.
4. وبِسَبَبِ الـجَمْعِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الوُصُولَ بِهِ إِلى يَسُوع، فكَشَفُوا السَّقْفَ فَوْقَ يَسُوع، ونَبَشُوه، ودَلَّوا الفِرَاشَ الَّذي كانَ الـمُخَلَّعُ مَطْرُوحًا عَلَيْه.
5. ورَأَى يَسُوعُ إِيْمَانَهُم، فقَالَ لِلْمُخَلَّع: "يَا ابْني، مَغْفُورَةٌ لَكَ خطَايَاك!".
6. وكانَ بَعْضُ الكَتَبَةِ جَالِسِينَ هُنَاكَ يُفَكِّرُونَ في قُلُوبِهِم:
7. "لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هـذَا الرَّجُلُ هـكَذَا؟ إِنَّهُ يُجَدِّف! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ الـخَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟".
8. وفي الـحَالِ عَرَفَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُم يُفَكِّرُونَ هـكَذَا في أَنْفُسِهِم فَقَالَ لَهُم: "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهـذَا في قُلُوبِكُم؟
9. ما هُوَ الأَسْهَل؟ أَنْ يُقَالَ لِلْمُخَلَّع: مَغْفُورَةٌ لَكَ خطَايَاك؟ أَمْ أَنْ يُقَال: قُمْ وَاحْمِلْ فِرَاشَكَ وَامْشِ؟
10. ولِكَي تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا أَنْ يَغْفِرَ الـخَطَايَا عَلَى الأَرْض"، قالَ لِلْمُخَلَّع:
11. "لَكَ أَقُول: قُم، إِحْمِلْ فِرَاشَكَ، واذْهَبْ إِلى بَيْتِكَ!".
12. فقَامَ في الـحَالِ وحَمَلَ فِرَاشَهُ، وخَرَجَ أَمامَ الـجَمِيع، حَتَّى دَهِشُوا كُلُّهُم ومَجَّدُوا اللهَ قَائِلين: "مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هـذَا البَتَّة!".

مقدّمة
الفصلُ الأوّل من إنجيل مرقس كان صعودًا إحتفاليًّا، صعود الانتصار. فخلال العماد، تلقّى يسوع شهادةَ أبيه السّماويّ وعونَ الروح القدس (مر 1: 9-11). وفي البريّة، تغلّبَ على إبليس وجاءَتِ الملائكةُ تخدمُه (مر 1: 13). ثمّ هناك أربعةٌ من تلاميذه تركوا كلّ شيء وتبعوه (مر 1: 14-15). وكرازتُه التي تعلن بشارةَ مجيءِ الملكوت، وعجائبُه المبهرة التي جذبت إليه الجموع (مر 1: 16-20). كلُّ شيء يسير في خطّه الصحيح، وما من سحابة تلوحُ في الأفق.
غيرَ أنّ شفاءَ المخلّعِ في كفرناحوم (مر 2: 1-12) يشكّلُ منعطفًا خطيرًا. بعدَ اليومِ، لن يكونَ ليسوع معجبون فقط، سيكون له خصومٌ وأعداءٌ. ويبدأُ القتالَ. يبدأُ أوّلاً على مستوى المجادلاتِ في خمسةِ أخبارٍ متتاليةٍ نقرأُها بدءًا من 2: 1 ولغاية 3: 6. أوّلُ هذه الأخبارِ هو شفاءُ مخلّعٍ كفرناحوم.

شرح الآيات
1. وبَعْدَ أَيَّامٍ عَادَ يَسُوعُ إِلى كَفَرْنَاحُوم. وسَمِعَ النَّاسُ أَنَّهُ في البَيْت.
2. فتَجَمَّعَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنْهُم حَتَّى غَصَّ بِهِمِ الـمَكَان، ولَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ لأَحَدٍ ولا عِنْدَ البَاب. وكانَ يُخَاطِبُهُم بِكَلِمَةِ الله.
يشدّدُ مرقس على وجودِ عددٍ كبيرٍ من الناس. شهرةُ يسوع والأعمالُ التي قامَ بها جذبَت إليه الجموعَ، وقدْ بلَغَتْ هذه الشّهرة إلى الذُّروةِ. أتوا إليه دون خوفٍ، ينتظرون منه ما هو زمنيّ. ما يهمّ أنّهم احتشدوا في "البيت". وقد يكون الإنجيليُّ قد أعطاه بُعْدًا رمزيًّا: هو المكان الذي يعلِّم فيه يسوعُ ويغفرُ الخطايا. وسيكونُ فيما بعد المكان الذي فيه يجتمعُ أولئك الذين "يعملون مشيئةَ الله" فيكوّنون عائلةَ يسوعَ (مر3: 20-35). أمَّا أنْ يكونَ البيت هو "الكنيسة" مع وجودِ بطرس والاثني عشر؟!. "وكان يخاطبهم بكلمةِ الله". علّمهم يسوعُ "الكلمة"، بشارةَ الإنجيل. إنّ هذه الطريقة في استعمالِ لفظة "الكلمة" بدون مضاف إليه، للدلالة على الإنجيلِ، ليسَتْ أمرًا عاديًّا. فهي ميزةٌ خاصّةٌ بمرقس. نجدُها مِرارًا في تفسيرِ مثلِ الزَّارع (مر4: 14-20)، ومرّةً واحدةً في ختامِ خطبةِ الأمثالِ (مر4: 33).

3. فأَتَوْهُ بِمُخَلَّعٍ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةُ رِجَال.
4. وبِسَبَبِ الـجَمْعِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الوُصُولَ بِهِ إِلى يَسُوع، فكَشَفُوا السَّقْفَ فَوْقَ يَسُوع، ونَبَشُوه، ودَلَّوا الفِرَاشَ الَّذي كانَ الـمُخَلَّعُ مَطْرُوحًا عَلَيْه.
لا يكشفُ لنا النصُّ نوعيّةَ الإعاقةِ المُصابِ بها هذا الرجلِ بشكلٍ مباشرٍ، لأنّ لفظة "مخلّع" تعني أمراضًا عديدةً قد تصيبُ الإنسانَ وتمنعُه عن الحركةِ، قد تكونُ العرجَ، أوِ الإعاقةَ النِّصفيةَ أوِ الإعاقةَ الرباعيّةَ الكاملةَ. إلاّ أنّنا نستنتجُ من معطياتِ النّصّ أنّ ذاك المريضَ هو غيرُ قادرٍ على الحركةِ تمامًا، فاحتاجَ إلى من يحملُه إلى يسوعَ. أرادَ مرقسُ أن يجعلَ من المخلّعِ رجلاً صامتًا لم يتلفّظْ حتّى بكلمةٍ واحدةٍ، مع أنّه ليس أبكمًا. قد يكونُ هذا الصمتُ خدمةً للبُعد اللاهوتي الذي أراده الإنجيليّ: "شفاء هذا المريض كان نتيجةَ إيمانِ الجماعةِ التي تحملُه، لا بسببِ إيمانِه هو فقط".
"كَشَفُوا السَّقْفَ فَوْقَ يَسُوع، ونَبَشُوه". من الممكنِ أن يكونَ هؤلاءِ الرجالِ قد نبشوا السّقفض بمعناه الحصريّ، بخاصّةٍ وأنّ بيوتَ فلسطين آنذاك كانت سقوفُها منخفضةً ومن الطِّينِ، بالتّالي من السَّهلِ نبشُها. لكن من الممكنِ أيضًا أن يكون يسوعُ قد تواجدَ في الباحةِ التي كانتْ تُستعمل بمثابةِ قاعةِ جلوسٍ خارجيّةٍ، بين أعمدةٍ خشبيّةٍ تحملُ دعائم وتُغطّى بالأعشابِ والأغصانِ. أمّا بالعودةِ إلى النّصّ اليونانيّ، فنراه يستعمل فعل exorusso أي حفرَ وليس مجرّد نبشٍ. أرادَ مرقس من كلّ ذلك، أن يبيبّنِ لنا إيمانَ الرجالِ الأربعةِ وقد كانَ دافعًا لتتميمِ الشّفاءِ. "لقد قدّمَ الرجالُ المريضَ وهو على سريرِه أمامَ يسوع، إستطاعوا إيصالَه الى يسوع، إنّما أوصلوه مع صليبِه، فالإنسانُ غير قادرٍ على تحريرِ الآخرِ من مشاكلِه وآلامِه وصلبانِه، بل هو مدعوٌّ الى حملِه، الى مساعدتِه ليصلَ الى الخلاصِ، والخلاصُ يكونُ فقط بعطيّةٍ من اللهِ، وإن كان من خلالِ الجماعة" (الأب بيار نجم).

5. ورَأَى يَسُوعُ إِيْمَانَهُم، فقَالَ لِلْمُخَلَّع: "يَا ابْني، مَغْفُورَةٌ لَكَ خطَايَاك!".
حمَلَ الرّجالُ الأربعةُ المخلّعَ إلى يسوع، فاستجابَ يسوعُ لإيمانِهم وشفاه. بشفائه، أجابِ يسوعُ على منطقِ ذلك المجتمعِ، ووبّخهم على طريقةِ تفكيرِهم. فالمنطقُ اليهوديُّ يعتبرُ أنّ المرضَ هو عقابٌ من اللهِ على خطيئةٍ ارتكبها المريضُ أو أحدُ أفرادِ عائلتِه. فالرّبّ بنظرهم، هو مصدرُ كلّ ألمٍ وموتٍ، وهو إلهٌ يضربُ ويعاقبُ. مع أنّ هذا هو المنطقُ اليهوديُّ السائدُ قديمًا، فلا نجدُ لهذا المنطقُ أيَّ أثرٍ في الكتابِ المقدّسِ في عهديه القديمِ والجديدِ، بل على العكسِ نقرأُ في إنجيلِ يوحنّا كيف أنّ يسوعَ رفضَ هذا المنطقَ رفضًا قاطعًا "وبَينَما هوَ في الطَّريقِ، رأى أعمى مُنذُ مَولِدِهِ.  فسألَهُ تلاميذُهُ: "يا مُعَلِّمُ، مَنْ أخطأَ؟ أهذا الرَّجُلُ أم والداهُ، حتى وُلِدَ أعمى؟"  فأجابَ يَسوعُ: "لا هذا الرَّجُلُ أخطَأَ ولا والداهُ. ولكنَّهُ وُلِدَ أعمى حتّى تَظهَرَ قُدرةُ اللهِ وهيَ تَعمَلُ فيهِ" (يو 9: 1-3). ربّما قد تكونُ هذه النظرةُ من رواسبِ سفرِ التَّكوينِ، حيثُ أنّ الألمَ دخلَ إلى العالمِ نتيجةً لخطيئةِ الإنسانِ الأوّلِ، فصارَ بالتّالي كلُّ مريضٍ هو خاطئٌ.

6. وكانَ بَعْضُ الكَتَبَةِ جَالِسِينَ هُنَاكَ يُفَكِّرُونَ في قُلُوبِهِم:
7. "لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هـذَا الرَّجُلُ هـكَذَا؟ إِنَّهُ يُجَدِّف! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ الـخَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟".
"يُفَكِّرُونَ في قُلُوبِهِم". هي عبارة تأخذنا بمعناها إلى كتاب العهد القديم: فقالَ الرَّب لِصَموئيل: "لا تُراعِ مَنظَرَه وطولَ قامَتِه، فإِنِّي قد نَبَذتُه، لأَنَّ الرَّبَّ لا يَنظُرُ كما يَنظُرُ الإِنْسان، فإنَّ الإنْسانَ إِنَّما يَنظُرُ إِلى الظَّواهِر، وأَمَّا الرَّبُّ فإِنَّه يَنظُرُ إِلى القَلْب " (1صم 16: 7). "فآسمع أنت مِنَ السَّماءِ، مكان سُكْناكَ، وآغفِرْ وآعمَلْ وأجْزِ كُلَّ واحِدٍ بِحَسَبِ طرقِه، لأَنكَ تَعرِفُ قَلبَه ولأَنكَ أنت وَحدَكَ تَعرِفُ قُلوبَ جَميعِ بَني البَشَر" (1مل 8: 39). "لِيَكُفَّ شرُ الأَشْرار أَمَّا أَنتَ فثَبِّتِ الأَبْرار. إِنَّكَ فاحِص القُلوبِ والكُلى أيّها الإِلهُ البارّ" (مز7: 10). "فيا رَبَّ القُوَّاتِ الحاكِمَ بِالبِرّ الفاحِصَ الكُلى والقُلوب سأَرى آنتِقامَكَ مِنهم لِأَنِّي إلَيكَ بُحتُ بِقَضِيَّتي" (إر11: 20). "إِنَّه سَبَرَ الغَمرَ والقَلْب ونَفَذَ إِلى مَقاصِدِها لأَنَّ العَليَّ يَعلَمُ كُلَّ عِلْم ونَظره على عَلاماتِ الأَزمِنَة. يُخبِرُ بِالماضي والمُستَقبَل وَيكشِفُ عن آثارِ الخَفايا.  لا يَفوتُه فِكر ولا يَخْفى علَيه كَلام" (سير 42: 18-20).
ردّة فعل الكتبة على شفاء المخلّع، أوردها مرقس واختزلها بثلاثة محطّات: اندهشوا أوّلاً فتساءلوا عن هويّة هذا الرجل حتّى يغفر الخطايا، حكموا على يسوع ثانيًا بأنّه يجدّف، وسبب الحكم ثالثًا وهو أنّ الله وحده يقدر أن يغفر الخطايا ولا أحد سواه. بحسب سفر اللاويين، من يجدّف يستوجب الموت، بالتالي فقد حكموا على يسوع بالموت "وكَلِّم بَني إسْرائيلَ قائلاً: أَيُّ رَجُلٍ لَعَنَ إِلهَه يَحمِلُ خَطيئَته. ومَن جَدَّفَ على آسمِ الرَّبّ، فلْيُقتَلْ قَتْلاً: تَرجُمُه كُلُّ الجَماعةِ رَجْماً، نَزيلاً كانَ أَوِ آبنَ البَلَد. إِذا جَدَّفَ على الاِسمِ يُقتَل" (لا 24: 15-16). حكم الكتبة هذا، هو استباق لحُكم رئيس المحفل على يسوع (مر 14: 64).

8. وفي الـحَالِ عَرَفَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُم يُفَكِّرُونَ هـكَذَا في أَنْفُسِهِم فَقَالَ لَهُم: "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهـذَا في قُلُوبِكُم؟
9. ما هُوَ الأَسْهَل؟ أَنْ يُقَالَ لِلْمُخَلَّع: مَغْفُورَةٌ لَكَ خطَايَاك؟ أَمْ أَنْ يُقَال: قُمْ وَاحْمِلْ فِرَاشَكَ وَامْشِ؟
10. ولِكَي تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا أَنْ يَغْفِرَ الـخَطَايَا عَلَى الأَرْض"، قالَ لِلْمُخَلَّع:
11. "لَكَ أَقُول: قُم، إِحْمِلْ فِرَاشَكَ، واذْهَبْ إِلى بَيْتِكَ!".
12. فقَامَ في الـحَالِ وحَمَلَ فِرَاشَهُ، وخَرَجَ أَمامَ الـجَمِيع، حَتَّى دَهِشُوا كُلُّهُم ومَجَّدُوا اللهَ قَائِلين: "مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هـذَا البَتَّة!".
ميزةُ معرفةِ القلوبِ والأفكارِ، هي من ميزاتِ الربِّ. بالتّالي حينَ يعلنُ مرقس أنّ يسوعَ عرفَ بماذا يفكّرون، هو يُعلنُ في الحقيقةِ بنوّتِه الإلهيّةِ. غفرَ يسوعُ خطيئةَ المخلّعِ، فاتّهمَه الكتبةُ بالتّجديفِ. لا شيءَ يمكنُ لمسُه ليتحقّقوا من أنّه استطاع أن يغفرَ خطيئة ذاك المريض. بلى هناك علامةٌ واحدةٌ أن يأمرَه بحملِ سريرِه ويمشي. لماذا؟ لأنّهم يربطون المرضَ بالخطيئةِ، بالتّالي فإنّ شفاءه سيكون دليلاً قاطعًا على أنّ خطيئتَه قد غُفِرَتْ. شفاه من خطيئته وهذا هو الأهمّ، أمّا شفاءُ الجسدِ حقّقَه يسوعُ خدمةً لإيمانِ الجماعةِ. وكأنّي به يقولُ للكتبةِ والمشكّكين، سأريكُم من أنا وكيف يمكنني أن أغفِرَ الخطايا. إنّه اعتلانُ آخرُ لبنوّةِ يسوعَ الإلهيّةِ ومشروعِه المسيحانيّ (الخلاصي).
"ولِكَي تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا أَنْ يَغْفِرَ الـخَطَايَا عَلَى الأَرْض". لفظة "سلطان" إستعملَها الإنجيليّ ليأخذَ بها القارئُ إلى العهدِ القديمِ وتحديدًا إلى نبوءةِ دانيالِ "ورَأيتُ في مَنامي ذلِكَ اللَّيلَ، فإذا بِمِثلِ اَبْنِ إنسانٍ آتيًا على سَحابِ السَّماءِ، فأسرَعَ إلى الشَّيخِ الطَّاعِنِ في السِّنِ. فقُرِّبَ إلى أمامِهِ وأُعطِيَ سُلطانًا ومَجدًا ومُلْكًا حتى تعبُدَهُ الشُّعوبُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ولِسانٍ ويكونَ سُلطانُهُ سُلطانًا أبديًّا لا يَزولُ، ومُلْكُهُ لا يتَعَدَّاهُ الزَّمنُ" (دا 7: 13-14). هو إعلانٌ أنّ الخلاصَ بدأ مع يسوع، ومُلكَه أبديٌّ لا يزولٌ.

خلاصة روحيّة
حملَ الرجالُ الأربعةُ المخلّعَ إلى يسوعَ، بدلاً انتقادِه والتدليلِ عليه. حملوه، وربّما، رغم إرادتِه، وعلى الرغم من ازدحامِ الناسِ، ليحرّره الربُّ من خطيئتِه أوّلاً، ويشفي جسدَه ثانيًا. في مجتمعِ اليومِ كثيرٌ من النّاسِ فَصَلوا أنفسهم، لا بل فصلَتْهم خطيئتُهم عن الشّراكةِ مع يسوعَ. ماذا نفعلُ نحن كأعضاءٍ في جسدِ المسيحِ لنعيدَ إليهم هذه العلاقةَ، فنشتركَ سويّةً بالمسيحِ؟ العلاقةُ مع يسوعَ هي شخصيّةٌ طبعًا، إلاّ أنّ لها بعداً كنسيًّا. من ينمو بمفردِه بعلاقتِه مع الربّ، يشكّلُ خللاً في تركيبةِ الجسدِ كلِّه، وبالتالي هو عضوٌ في مجموعةٍ من النّاسِ، وهو خارجَ الكنيسةِ إذ لا يهمُّه بنيانَ الجسدِ.
- كيف أكون إبنَ كنيسةِ المسيحِ، ولا أسعى بكلّ ما لديّ من مواهبَ لجذبِ الآخرين إلى يسوع؟
- كيف أكون إبنَ كنيسةِ المسيحِ، وصلاتي صلاةٌ أنانيّةٌ، لا أحملُ بها الخطأة الذين هم بحاجة إلى من يقودُهم إلى المسيحِ؟
- كيف أكونُ إبنَ كنيسةِ المسيحِ، وأنا أحملُ البغضَ للآخِر، بدلًا من أن أحملَه ليختبرَ حبَّ الربِّ من خلالِ مسامحتي له؟
- كيف أكونُ إبنَ كنيسةِ المسيحِ، وأنا أذلُّ الإنسانَ بمالي وسلطتي، بدلاً من أساعدَه ليكونَ حرًّا، محافظًا على صورةِ اللهِ فيه؟
هذا هو إبنُ الكنيسةِ، يعيشُ وهمُّ الآخرِ يعيشُ معه. فلنتحمّلْ مسؤوليّاتِنا كأعضاءٍ في كنيسةِ المسيحِ، لكي نساهمَ في نموِّ الجسدِ كلّه، لأنّه إمّا أن نتّحدَ كلُّنا بالمسيحِ، إمّا أنْ نكونَ كلُّنا مفصولون.

تحميل المنشور