كَسر الكلمة - العهد القديم -15- أحد الأبرار والصديقين

كَسر الكلمة - العهد القديم -15- أحد الأبرار والصديقين

أحد الأبرار وَالصِّديقين 
سفر الحكمة 5 / 1 + 3 – 6 + 8 + 15 - 16
1 حينَئِذٍ يَقومُ البارُّ بِجُرأَةٍ عَظيمة في وجوهِ الَّذينَ ضايَقوه واحتَقَروا أَتْعابَه.
3 فيَقولُ بَعضهم لِبَعضٍ نادمين ونائحينَ مِن ضيقِ صُدورِهم:
4 هُوَذا الَّذي كُنَّا حينًا نَجعَلُه ضُحكَةً ومَوضوعَ تَهَكُّمٍ نَحنُ الأَغْبِياء! لقَد حَسِبْنا حياتَه جُنونًا وآخِرَتَه عارًا.
5 فكَيفَ أَصبَحَ في عِدادِ بَني الله وصارَ نَصيبُه مع القِدِّيسين؟
6 لقَد ضلَلْنا عن طَريقِ الحَقّ ولم يُضِئْ لَنا نوُر البِرّ.
8 فماذا نَفَعَتْنا الكِبْرِياء؟ وماذا أَفادَنا الغِنى الَّذي كُنَّا نَفتَخِرُ بِه؟
15 أَمَّا الأَبْرارُ فسيَحيَونَ لِلأَبَد وعِندَ الرّبِّ ثَوابُهم ولهم عِنايةٌ مِن لَدُنِ العَلِيّ.
16 فلِذلكَ سيَنالونَ إِكْليلَ البَهاء وتاجَ الجَمالِ مِن يَدِ الرَّبّ لأنه بِيَمينِه يَحْميهِم وبذِراعِه يَسترُهم.

مقدّمة
لِأَحدِ الأَبْرارِ وَالصِّدّيقينَ، تَخْتَارُ كَنيسَتُنا الـمَارونيَّةُ قِرَاءَةً من سِفرِ الحِكْمَةِ، الَّذي حَاوَلَ فيهِ الكَاتِبُ فَهْمَ مُعْضِلَةِ الخَيرِ وَالشَّر وَمَصيرَ البَارّ وَالشّرير. عَلى مِثَالِ إِنجيلِ "الدّينونَةِ العُظْمَى" من متَّى 25، تَأْتي قِراءَةُ العَهد القَديمِ لِتَضَعَ أَمَامَنا حِوارًا معَ الذّاتِ صَادِقًا وَصَريحًا عَن "الدّينونةِ الأَخيرَةِ". في هَذا النَّصّ، تَظْهَرُ حَقِيقَةُ الدّيْنونَةِ إِذ هيَ "ديْنونَةُ الذّات"، فَكُلُّ إِنْسَانٍ يَقْتَرِبُ "إِلى جَبَلِ صِهْيُون، وإِلى مَدِينَةِ اللهِ الحَيّ، أُورَشَلِيمَ السَماوِيَّة، وإِلى عَشَرَاتِ الأُلُوفِ منَ الـمَلائِكَة، وإِلى عِيدٍ حَافِل، وإِلى كَنِيسَةِ الأَبْكَارِ الـمَكْتُوبِينَ في السَمَاوَات، وإِلى اللهِ ديَّانِ الجَمِيع، وإِلى أَرْواحِ الأَبْرَارِ الَّذِينَ بَلَغُوا الكَمَال، وإِلى وَسِيطِ العَهْدِ الجَدِيد، يَسُوع" (عب 12 / 22 – 24أ) سَيَدِينُ ذَاتَهُ عَلى أَفْعَالِهِ الخَاصَّةِ.
لِذا، وَصَايَا الرَّبِّ هِيَ حَقٌّ وَحَيَاة أُعْطِيَت لَنا لِأَجلِ خَلاصِنَا وَخَيْرِنا، فَإِنْ حَفِظْنَاهَا ارْتَاحَتْ نُفوسُنا وَاقْتَرَبْنا إلى يَومِ الدَّينونَةِ بِثِقَةٍ، لا بِخَوفٍ وَهَمّ: "أُنْظُر! إِنّي قَد جَعَلْتُ اليَومَ أَمامَكَ الحَياةَ وَالخَير، وَالـمَوتَ وَالشَّر. وَقَدْ أَشْهَدْتُ عَلَيْكُم اليَومَ السَّماءَ وَالأَرضَ بِأَنِّي قَد جَعَلتُ أَمامَكُم الحَياةَ وَالـمَوت، البَرَكَةَ وَاللَّعْنَة، فَاختَرِ الحَياة لِكي تَحْيَا أَنتَ وَنَسْلُكَ" (تث 30 / 15. 19).

تفسير الآيات
1 حينَئِذٍ يَقومُ البارُّ بِجُرأَةٍ عَظيمة في وجوهِ الَّذينَ ضايَقوه واحتَقَروا أَتْعابَه.
كَلِمَةُ "حينئِذٍ" هيَ ظَرفٌ لِلزَّمَان يُسْتَعْمَلُ لِتَحْدِيدِ حَدَثٍ مُعَيَّن، هُنا "الدَّينونَة". نُلاحِظُ أَنَّ البّار أَو الصّدّيق الَّذي بَنى حَياتَهُ عَلى أَسَاسِ مَخافَةِ الرَّبّ وَالخيرِ وَالحَياة، "يَقُوم! بِجُرأَةٍ عَظيمَة" عَلامَةً لِدُخولِهِ دَارَ الحَيَاةِ. أَمَّا بِالنّسبَةِ لِقِيامِهِ بِجرأَةٍ في وَجهِ مُضَايِقِيهِ، فَهي عَلامَةُ نَصْرِهِ عَلى أَعْدَائِهِ، وَبِنَصْرِهِ تَظْهَرُ الحَقيقَةُ الكَامِلَة أَي حَقيقَةُ أَعْمَالِهِ وَحَياتِهِ وَتارِيخِهِ، كَـمَا وَحَقيقَةُ أَعْدَائِهِ أَيضًا.
مَا هيَ أَعْمَالُ البارّ أَو أَتْعَابَهُ؟ وَلِمَ يَحْتَقِرُها الأَشْرار؟ ألبارُّ يَقْضِي حَيَاتَهُ بِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ يُوضِحُهَا إِنجيلُ اليَوم: يُطْعِمونَ الج‍ِياع، يُسْقُونَ العِطَاش، يَأوُونَ الغُرَباء، يَزورونَ الـمَرضَى وَالـمَسَاجين (راجع متى 25 / 35 - 36). هَذِهِ الأَعْمالُ يَحْتَقِرُها الأَشْرارُ، الَّذينَ بَدَلَ الخيرِ يَبْغُونَ الشَّرّ، وَبَدَلَ الحَياةِ يَبْغُونَ الـمَوت.

3 فيَقولُ بَعضهم لِبَعضٍ نادمين ونائحينَ مِن ضيقِ صُدورِهم:
4 "هُوَذا الَّذي كُنَّا حينًا نَجعَلُه ضُحكَةً ومَوضوعَ تَهَكُّمٍ نَحنُ الأَغْبِياء! لقَد حَسِبْنا حياتَه جُنونًا وآخِرَتَه عارًا.
5 فكَيفَ أَصبَحَ في عِدادِ بَني الله وصارَ نَصيبُه مع القِدِّيسين؟

هُنَا يَنتَقِلُ مَشْهَدُ الدَّينونَةِ إِلى جَوقِ الأشْرارِ الَّذينَ ضَايَقُوا البارّ وَاحتَقَرُوا أَفعَالَهُ الـمُتواضِعَةِ. في يَومِ الدَّينونَةِ تَظْهَرُ أَعْمَالُ كُلِّ إِنسَانٍ بِوضوحٍ وَتَظْهَرُ علاماتُ الفَرَحِ وَالرِّضَى عن الذّات أَو عَلاماتُ الحُزنِ وَالنَّدَامَة. ألأَبْرارُ وَقَفُوا في يَومِ الدَّينونَةِ بِجُرأَةٍ عَلامةَ رِضَاهُم عَن أَعْمَالِهم، بَيْنَما الأَشْرارُ فَكَانوا نادِمينَ نائِحينَ مِنَ الأَلمِ الـمُتأَتّي من قُلوبَهُم القَاسِيَة.
يَصِفُ مُؤَلِّفُ هَذا النَّصّ، مَشْهَدُ "الدّينونَةِ الأَخيرَة" بِمَشْهَدٍ مَسْرَحِيٍّ فيه: يُؤَلِّفُ الأَبْرارُ وَالأَشْرارُ جَوقَانِ، فَالأَبْرارُ من جِهةٍ لا يَتكَلِّمونَ، بَل يَقِفونَ صَامِتينَ مُنتَصِرينَ، يَرفَعونَ أَنظَارَهُم بِجُرأَةٍ بِوُجوهِ أَعْدائِهم. وَالأَشْرارُ مِن جِهَةٍ أُخْرَى يَنوحونَ نَدامَةً عَلى ما فَعَلوهُ ضِدَّ هَؤُلاءِ الأَبْرار.
وَقْفَةُ البارِّ الجَريئَةِ أَصْبَحَت لِأَعْدَائِهِ كَـمِرآةٍ كَشَفَت لَهُم فَظَاعَةَ أَعـمَالِهِم، فَبَاتُوا تَحْتَ رَحمَةِ النَّدامَةِ وَالتَّأَسُّفِ وَالتَّعجُّب وَلَكِن بِدونِ فَائِدَةٍ. فَيَومُ الدَّينونَةِ هُوَ يَومُ الحُكْمِ الأَخير، وَلا مَجَالَ لِلرُّجوعِ إِلى الوَراءِ. أَلبارُّ أُحْصِيَ مَعَ أَبناءِ الله وَالقدّيسينَ، أَمَّا الأَشْرارُ فَبَاتُوا في أَلمِ التَّحسُّرِ لِأَنَّهُم تَصَرَّفُوا بِغَبَاءٍ وَحَكَموا عَلى البارِّ وَحَياتِهِ بِالجُنونِ وَالعَار. بِمَا حَكَمَ الأَشْرارُ على البارِّ، حُكِمَ عَلَيهِم بِه: حَسِبوهُ غَبِيًّا، لَكن في الحَقيقَةِ كَانوا هُم الأَغْبياء، ضَحِكوا وَهَزِئُوا بِهِ كرَجُلٍ خَاطئٍ، أَمَّا الحَقيقَةُ هِيَ أَنَّهُم هُمْ الـمُسْتَحِقّونَ العَارَ وَالهُزءَ، لِأَنَّ قُلوبَهُم رَذَلَتِ الحِكمَةَ الحَقَّةَ، فَسَقَطُوا تَحتَ نيرِ خَطَاياهُم الثَّقيل.

6 لقَد ضلَلْنا عن طَريقِ الحَقّ ولم يُضِئْ لَنا نوُر البِرّ.
8 فماذا نَفَعَتْنا الكِبْرِياء؟ وماذا أَفادَنا الغِنى الَّذي كُنَّا نَفتَخِرُ بِه؟"

هَاتَانِ الآيَتَانِ هُما بِمَثابَةِ اعْتِرافٍ عَن ضَلالِهِم. فَالآيَةُ 6 تُوضِحُ أَنَّ النُّورَ الَّذي يُنيرُ ضَمائِرَ الأَشْرارِ لَيسَ نورُ الحَقيقَةِ بَل نورُ الظُّلْمَةُ. هَذا ما يُنَبِّهُنا مِنهُ الرَّبُّ يَسوع قَائِلاً: "تَنَبَّه إِذًا لِئَلاَّ يَكونَ النُّورُ الَّذي فيكَ ظَلامًا" (لو 11 / 35). وَاعْتَرَفوا أَنَّ الغِنَى وَالكِبْرِياءَ كَانَا سِراجَهُم في دُروبِ حَيَاتِهِم، وَهَاتانِ الآفَتَانِ لا تُضِيئَانِ نُورًا بَل تَنْشُرَا الظُّلمَةَ وَالضَّياع. فَالكِبْرِياءُ هيَ أعظَمُ الخَطايا، فيهَا يَتجَبَّرُ قَلبُ الإِنسانِ وَيُضْحي قَاسِيًا، مُظْلِمًا، مُتَعَجْرِفًا. وَالغِنَى أَيْضًا، يُقَسّي قَلبَ الإِنسَانِ، فَيُضْحي ضَحِيَّةَ الـمَالِ وَخَادِمًا لَهُ. يُحَذِّرُنا الرَّبّ يَسوعُ من خَطرِ الغِنى وَالـمَال، فيَقول: "مَا أَصْعَبَ على الأَثرِياءِ أَن يَدْخُلوا مَلكوتَ الله! إِنَّهُ لأَسْهَلُ أَن يَدْخُلَ جَملٌ في خِرْم الإِبْرَةِ، مِن أَن يَدخُلَ غَنِيٌّ مَلَكوتَ الله" (مر 10 / 24 - 25).
إِنَّهُ حَقًّا مَدْعَاةً لِلتَّعَجُّبِ، مُنذُ قُرونٍ بَعيدَةٍ اعْتَرَفَ الأَشْرارُ بِصِدقٍ، أَنَّ كِبْرياءَهُم وَحُبُّهُم لِلمَالِ وَالغِنى أَودُوا بِهِم إِلى الهَلاك، فَلِمَاذا مَا زَالَ الأَشْرارُ مُصِرّونَ عَلى خَطيئَتِهِم وَعلى العَيشِ في الظُّلمَةِ وَالتَّحَسُّر؟ كَلامُ الرَّبِّ يَسوعَ وَاضِحٌ في هَذا الشَّأن: "يَذْهَبُ هؤُلاءِ إِلى العَذَابِ الأَبَدِيّ، والأَبْرَارُ إِلى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّة" (متى 25 / 46).

15 أَمَّا الأَبْرارُ فسيَحيَونَ لِلأَبَد وعِندَ الرّبِّ ثَوابُهم ولهم عِنايةٌ مِن لَدُنِ العَلِيّ.
16 فلِذلكَ سيَنالونَ إِكْليلَ البَهاء وتاجَ الجَمالِ مِن يَدِ الرَّبّ لأنه بِيَمينِه يَحْميهِم وبذِراعِه يَسترُهم.

نَعودُ إِلى جَوقِ الأَبْرارِ الَّذينَ لا يَتَكَلَّمونَ، بَل يَتَنَعَّمونَ، وَالكَاتِبُ يَصِفُ فَرحَهُم وَالجَزاءَ الَّذي اسْتَحَقُّوهُ. هُم دَخَلوا الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ، حَيثُ سَيَحْيَونَ لِلأَبد في ظِلِّ عِنايَةِ الرَّبِّ، مِنهُ يَنَالونَ مُكَافَأَةَ جِهَادِهم وَيَكُونوا مُظَلَّلِينَ في حِمَى سِتْرِهِ.
يَدُ الرَّبّ، يَمينُهُ وَذِرَاعُهُ كُلُّ هَذِهِ التَّفاصِيل الـمُتَعَلِّقَةِ بِذِراعِ الرَّبّ اليُمْنى رَمزٌ لِعِنايَتِهِ الفَائِقَةِ بِأَبْرارِهِ، فَالمزمور 91 يَصِفُ مَنْ يَسْكُنُ في سِتْرِ الرَّبّ العَليّ وَالعِنايَةُ الَّتي يَنعَمُ بِها. إِكليلُ البَهَاءِ وَتاجُ الجَمالِ هُم مُكافَأَةُ جِهَادِهِم وَعَناءِهم، يقولُ القِدّيس بولس الرَّسولُ في مَسَاءِ حَياتِهِ بِخِدْمَةِ الرَّب: "وَالآنَ، فَإِنَّهُ مَحفوظٌ لي إِكليلُ البّر، الَّذي سيُجازينِي بِهِ في ذَلكَ اليَوم الرَّبُّ الدّيانُ العَادِل، لا أَنا وَحدي، بَل أَيضًا جَميعَ الَّذينَ يُحِبُّونَ ظُهورَهُ" (2طيم 4 / 8).

خُلاصَةٌ روحِيَّةٌ
قِراءَاتُ هَذا الأَحدِ تَدعُونَا، من جِهَةٍ لِلفَرَحِ، إِذا كَانَتْ ضَمائِرُنا لا تُؤَنِّبُنا، وَمن جِهَةٍ أُخْرَى لِشُعورِ الخِزيِ وَالنَّدَامَةِ، إِذَا كَانَت أَعمَالُنا غَيرُ صَالِحَةٍ. هُنا فَحْصُ الضَّميرِ على نورِ كَلِمَةِ الرَّبِّ في إِنجيلِ اليَوم: "أَلحَقَّ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا عَمِلْتُمُوهُ لأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاءِ الصِغَار، فَلِي عَمِلْتُمُوه!" وَ"أَلحَقَّ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا لَمْ تَعْمَلُوهُ لأَحَدِ هؤُلاءِ الصِغَار، فلِي لَمْ تَعْمَلُوه. ويَذْهَبُ هؤُلاءِ إِلى العَذَابِ الأَبَدِيّ، والأَبْرَارُ إِلى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّة " (متى 25 / 40 . 45 - 46).
فَلْنَتضَرَّع إِلى أُمِّنا العَذْراءِ مَريَم مَلجَأَ الخَطَأَة لِكَي تَتَشَفَّعْ بِنا، نَحنُ الخَاطِئِينَ لَدى ابْنِهَا وَتَلْتَمِسَ لَنا الرَّحْمَةَ وَالـمَغْفِرَة.


تحميل المنشور