إذهبوا عنّي يا ملاعين إلى نار جهنّم!

إذهبوا عنّي يا ملاعين إلى نار جهنّم!

إنّها عبارةٌ أشبه بفيلم رعب عندما نسمعها نَرتَعِد ويرتابُنا خوفٌ ممزوج بالقلق من النزول إلى هذه النّار.

ولكن، هل جهنّم مكان؟ وما هي نيرانها؟ 

في الفكر البيبليّ، بالنّسبة للعبرانيّين، فجهنّم Gehenne هي وادٍ في إسرائيل معروف بـ"وادي ابنِ هِنُّوم" ghé vèn-Hinnom، وادي الرّبابي حاليًّا، يقع جنوبي غربي أورشليم،حيث كانت تُقام العبادات الوثنيّة في مَوضِعٍ داخل الوادي يُسمَّى بـ"تُوفَت" Topeth. وكان الأبناء الأبكار يُحرَقون أحياءً كذبائح لإله الكنعانيّين الوثني "مُولَك" Moloch. وتُخبِر الكتب التاريخيّة في العهد القديم عن ملوك من إسرائيل انحرفوا ومارسوا هذه الطّقوس الوثنيّة في هذا الوادي (راجع 2 أخبار 28/ 3 و33/ 6 و 2ملوك 16/ 3)، حتّى أتى الملك يوشيّا، وأجرى الإصلاح الدينيّ وكانت إحدى نتائجه تطهير مملكة يهوذا من كلّ المذابح التابعة للآلهة الوثنيّة ومن ضُمنِها تلك التي كانت في وادي "ابنِ هِنُّوم". (راجع 2 ملوك 23/ 10-14 و 2أخبار 34/ 4-5).

تحوّل هذا المكان فيما بعد إلى محرقة مُشتعلة بالنّار الدائمة التي لا تنطفِىء حيث كانت تُرمى كلّ أنواع النّفايات وجِيَف الحيوانات الميتة وجُثَث المحكومين بالإعدام وبالتّالي كانت رائحته نتنة ولا تُحتَمَل. وفي ختام سفر أشعيا نسمعه ينسب هذا المكان لكلّ مَن يعصي أوامر الربّ: "ويَخرُجونَ ويَرون جُثَثَ النَّاسِ الَّذينَ عَصَوني، لِأَنَّ دودَهم لا يَموت ونارَهم لا تُطفَأ ويَكونونَ رُذالَةً لِكلِّ بَشَر" (أش 66/ 24). ويقول إرميا: " إنَّ بَني يَهوذا قد صَنَعوا الشَّرَّ فَي عَيَنيَّ، يَقولُ الرَّبّ ... وبَنَوا مَشارِفَ توفَتُ الَّتي بِوادي آبنِ هِنُّوم، لِيُحرِقوا بَنيهم وبَناتِهم بِالنَّار، وهو ما لم آمُرْ به ولم يَخطُرْ بِبالي. لِذلك ها إِنَّها تأتي أَيَّامٌ، يَقولُ الرَّبّ، لا يُقالُ فيها توفَتُ ولا وادي آبنِ هِنُّوم، بل وادي القَتْل، ويَدفِنونَ في توفَتَ لِعَدَمِ توَفُّرِ المَكان، وتَصيرُ جُثَثُ هذا الشَّعبِ مأكَلاً لِطُيورِ السَّماء ولبهائِمِ الأَرض، ولَيسَ مَن يُفزِعُها" (إرميا 7/ 30-33). 


يمكننا إستنادًا لما سبَق أن نفهم بأنّ جهنّم كانت مكانًا ملموسًا وواقعيًّا ولا صلة لها بالحكم الأخير في الحياة الأخرى. فمن أين لنا إذًا نحن مسيحيّو اليوم هذه الفكرة عن جهنّم بأنّها مكان العذاب الأبدي؟ الأمر يعود إلى كتابات العهد الجديد حيث استعمل يسوع التشبيه الصُوَري في أمثلته عن الدينونة، لأنّه كان يتوجّه إلى العبرانييّن فتكلّم لغة يفهمونها واستعمل تشابيه من إطارهم البيئي والتّاريخي. ففي فِكرْ العهد الجديد جهنّم هي المكان الذي سيذهب إليه كلّ مَن عصى كلام الربّ، هي المكان حيث لا وجود للربّ، حيث عذاب الروح! 

ماذا إذًا عن كلّ الظهورات والرّؤى التّي تؤكّد حقيقة جهنّم وتُظهره بالشّكل والمضمون مطابقًا لما تكلّم عنه يسوع في الأناجيل؟ فالعذراء مريم في ظهورها للأطفال الثلاثة لوسيا، فرانسيسكو وجاسينتا في فاطيما من 100 سنة، أرتهم بوضوح جهنّم وقد نَقَلوا لاحقًا مصدومين ما رأَوه. القدّيسة فيرونيكا جولياني أيضًا رأت جهنّم والنّفوس تتألّم، وغيرهم كثيرين أخبروا عن الصّوَر عينها...

فهل جهنّم حقًّا مكان؟

إنّها أكثر من ذلك بكثير، إنّها حالةٌ أبديّة ترافق روح الإنسان. نحن مرغمين أن نستعمل علاماتٍ مرئيّة وملموسة للتّعبير عن حقيقةٍ غير مرئيّة وغير ملموسة. في هذا السياق يمكننا أن نقرأ في كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة في العدد 1035 ما يلي: "يقوم عذاب جهنّم الرّئيسي في الانفصال الأبدي عن الله الذي فيه وحده يستطيع الإنسان الحصول على الحياة والسعادة اللّذين خُلِق لأجلهما وإليهما يتوق".

جهنّم هي حالة الانفصال الكلّيّ عن الله! ويا ليتها كانت مكانًا...

إنّها غياب الله... إنّها أشبه بالحياة بدون الهواء... إختناق وعذاب الروح الأبدي...

العذاب الذي يشعر به المرء في حالة "جهنّم"، يتعدّى صورة النّيران، يتعدّى الوجع الجسديّ، إنّه حالة من سلسلة عذابات محوَرُها البُعد عن الله. ومَن ابتعد عن الله فقد ابتعدَ عن الحياة...

لا بدّ للإنسان في المراحل الأولى من حياته الإيمانيّة أن يعيش خوفًا معيّنًا من جهنّم، ولكن متى صعِدَ سُلَّم الحياة الروحيّة والإيمانيّة فمن الضروري أن يتحوّل خوفه من العقاب والخطيئة إلى بحثٍ عن تحقيق مشيئة الله في حياته. إنّ إرادة الله الخلاصيّة الشاملة تبقى أساس كلّ ممارسة للحياة المسيحيّة، فَمن وجد الله، وجد الحياة الأبديّة. 


فلنتأمّل كلام القدّيس يوحنا في رسالته الأولى: "اللهُ مَحبَّة فمَن أَقامَ في المَحَبَّةِ أَقامَ في الله وأَقامَ اللهُ فيه. واكتِمالُ المَحبَّةِ بِالنَّظَرِ إِلَينا أَن تَكونَ لَنا الطُّمَأنينَةُ لِيَومِ الدَّينونة فكما يَكونُ هو كذلك نَكونُ في هذا العالَم. لا خَوفَ في المَحبَّة بلِ المَحبَّةُ الكامِلةُ تَنْفي عَنها الخَوف لأَنَّ الخَوفَ يَعْني العِقابومَن يَخَفْ لم يَكُنْ كامِلاً في المَحَبَّة. أَمَّا نَحنُ فإِنَّنا نُحِبّ لأَنَّه أَحَبَّنا قَبلَ أَن نُحِبَّه." (1 يو 4/ 16-19)