كَسر الكلمة -2- أحد تجديد البيعة

كَسر الكلمة -2- أحد تجديد البيعة

أحد تجديد البيعة


 (يو 10/ 22 – 42)

22 وحَانَ عِيدُ التَّجْدِيدِ في أُورَشَلِيم، وكَانَ فَصْلُ الشِّتَاء.

23 وكَانَ يَسُوعُ يَتَمَشَّى في الـهَيْكَل، في رِوَاقِ سُلَيْمَان.

24 فَأَحَاطَ بِهِ اليَهُودُ وأَخَذُوا يَقُولُونَ لَهُ: "إِلى مَتَى تُبْقِي نُفُوسَنَا حَائِرَة؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الـمَسِيح، فَقُلْهُ لَنَا صَرَاحَةً".

25 أَجَابَهُم يَسُوع: "قُلْتُهُ لَكُم، لـكِنَّكُم لا تُؤْمِنُون. أَلأَعْمَالُ الَّتِي أَعْمَلُهَا أَنَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي.

26 لـكِنَّكُم لا تُؤْمِنُون، لأَنَّكُم لَسْتُم مِنْ خِرَافِي.

27 خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وأَنَا أَعْرِفُهَا، وهِي تَتْبَعُنِي.

28 وأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّة، فَلَنْ تَهْلِكَ أَبَدًا، وَلَنْ يَخْطَفَهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي.

29 أَبِي الَّذي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الكُلّ، ولا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَهَا مِنْ يَدِ الآب.

30 أَنَا والآبُ وَاحِد".

31 فَأَخَذَ اليَهُودُ، مِنْ جَدِيدٍ، حِجَارَةً لِيَرْجُمُوه.

32 قَالَ لَهُم يَسُوع: "أَعْمَالاً حَسَنَةً كَثِيرَةً أَرَيْتُكُم مِنْ عِنْدِ الآب، فَلأَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونِي؟".

33 أَجَابَهُ اليَهُود: "لا لِعَمَلٍ حَسَنٍ نَرْجُمُكَ، بَلْ لِتَجْدِيف. لأَنَّكَ، وَأَنْتَ إِنْسَان، تَجْعلُ نَفْسَكَ إِلـهًا".

34 أَجَابَهُم يَسُوع: "أَمَا كُتِبَ في تَوْرَاتِكُم: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُم آلِهَة؟

35 فَإِذَا كَانَتِ التَّوْرَاةُ تَدْعُو آلِهَةً أُولـئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِم كَلِمَةُ الله،  ولا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الكِتَاب،

36 فَكَيْفَ تَقُولُونَ لِي، أَنَا الَّذي قَدَّسَهُ الآبُ وأَرْسَلَهُ إِلى العَالَم: أَنْتَ تُجَدِّف؛ لأَنِيِّ قُلْتُ: أَنَا ابْنُ الله؟

37 إِنْ كُنْتُ لا أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي، فلا تُصَدِّقُونِي،

38 أَمَّا إِذَا كُنْتُ أَعْمَلُهَا، وإِنْ كُنْتُم لا تُصَدِّقُونِي، فَصَدِّقُوا هـذِهِ الأَعْمَال، لِكَي تَعْرِفُوا وتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنِّي في الآب".

39 فَحَاوَلُوا مِنْ جَدِيدٍ أَنْ يَقْبِضُوا عَلَيْه، فَأَفْلَتَ مِنْ يَدِهِم.

40 وعَادَ يَسُوعُ إِلى عِبْرِ الأُرْدُنّ، إِلى حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدْ مِنْ قَبْلُ، فَأَقَامَ هُنَاك.

41 وأَتَى إِلَيْهِ كَثِيرُونَ وكَانُوا يَقُولُون: "لَمْ يَصْنَعْ يُوحَنَّا أَيَّ آيَة، ولـكِنْ، كُلُّ مَا قَالَهُ  في هـذَا الرَّجُلِ كَانَ حَقًّا".

42 فآمَنَ بِهِ هُنَاكَ كَثِيرُون.

مقدمة 

الأحد الثاني من السنة الطقسيّة المارونيّة، هو أحد تجديد البيعة، احتفلت فيه الكنيسة منذ أجيالها الأولى، وهو امتداد لعيد تجديد هيكل أورشليم، وقد اعتاد اليهود الاحتفل به كلّ سنة، متذكرين كيف أُعيد بناء الهيكل وتجديد المذبح، إذ كانوا يحملون الأغصان الخضراء وينشدون أناشيد الفرح ويشعلون المصابيح، مؤمنين أنّ الله، وبعد كلّ نكبة كانت تحلّ بهم، كان الحاضر معهم لينير حياتهم من جديد ويجدّد بهذا الحضور المقدّس عبادتهم له. الكنيسة تتذكّر اليوم وفي بداية سنتها الطقسيّة، أنّ المسيح هو جديدها الدائم، محور إيمانها وحياتها وأساس كلّ عبادةٍ تتمّ فيها، بعيدًا عنه تصبح طقوسها واحتفالاتها فارغة ومن غير معنى، وبحضوره في وسطها تصبح عبادتها جديدة، لا ترتكز على الرموز والشعائر، بل على حقيقة ابن الله التي تُدخلها في شراكة حقيقيّة مع الثالوث.   


شرح الآيات

22 " وحَانَ عِيدُ التَّجْدِيدِ في أُورَشَلِيم، وكَانَ فَصْلُ الشِّتَاء"

عيدُ التجديد بالنسبة لليهود هو تذكار عيد تجديد الهيكل وتحديدًا المذبح، بعد أن دنّسه أنطيوكس الرابع أبيفانوس (امك 4/36 – 59) بإدخال عبادة الأصنام اليونانيّة إلى أورشليم والهيكل، ومنع اليهود من ممارسة شعائرهم. ثار الشعب على هذا الأمر وانتفض واستعاد أورشليم بعد ثلاث سنوات عام 164 قبل الميلاد. وعند عودة اليهود إلى أورشليم وجدوا الهيكل مدنّساً، والآنية متّسخة، والزيت المقدّس مرمياً، والأصنام تملأ المكان، وقد رُفعت الذبائح للآلهة الوثنيّة على المذبح ودنّسته. عندها قاموا  وعلى رأسهم يهوذا المكابي بتطهير الهيكل وتقديسه ليصبح مجدّداً هيكل الله الواحد والحقيقيّ. هذا العيد عُرِفَ عند اليهود بعيد "هانوكا" (التطهير)، أو عيد النور، كان يستمر ثمانيّة أيام وكان يحتفل به تحديدًا في 24 كانون الأول من كلّ سنة أي في فصل الشتاء.  


23 "وكَانَ يَسُوعُ يَتَمَشَّى في الـهَيْكَل، في رِوَاقِ سُلَيْمَان"

يقع رواق سليمان في الجانب الشرقي من فناء الهيكل الخارجي شرقي الهيكل ويطل على وادي قدرون. كان بهوًا مسقوفًا وسقفه من خشب الأرز ويستند على صفين من الأعمدة الرخامية البيضاء المنحوتة. الجموع كانت تقصد هذا الرواق لتحتمي من الهواء والمطر وكانت مناسبة لتستمع إلى الكتبة يشرحون الشريعة ويتناقشون حولها. يوحنّا يؤكّد أنّ يسوع لم يكن يعلّم  في الرواق بل كان يتمشّى. عند يوحنا المشهد نفسه يتكرّر بين يسوع ورؤساء اليهود وتحديدًا في الهيكل، يريدون القبض عليه (يو 7/30، 32، 40، 8/ 20) ورجمه وقتله. يسوع في بيت أبيه (يو2/16) حيث قلب طاولات الصيارفة وطرد الباعة. هنا أيضًا سيقلب مفاهيم رؤساء اليهود الذين بقتله سيدمرون الهيكل ليعود ويبنيه هو من جديد بعد ثلاثة أيام (يو 2/ 13 – 22)، لتصبح قيامته التجديد الحقيقيّ المنتظر.


24 "فَأَحَاطَ بِهِ اليَهُودُ وأَخَذُوا يَقُولُونَ لَهُ: "إِلى مَتَى تُبْقِي نُفُوسَنَا حَائِرَة؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الـمَسِيح، فَقُلْهُ لَنَا صَرَاحَةً"

إحاطة اليهود ليسوع تذكّرنا بالمزمور 22/17- 16 حيث الأعداء يحيطون بالمسيح،  وهو كالفريسة بين أيديهم. إنّها المواجهة الأخيرة بين يسوع ومبغضيه قبل الدخول في ساعة المجد. عند يوحنا كلمة يهود لا تعني الشعب اليهودي إنّما حصرًا رؤساء اليهود، الذين لم يقبلوا شهادة يسوع. في سؤالهم ليسوع "إِلى مَتَى تُبْقِي نُفُوسَنَا حَائِرَة؟ كأنّهم يسألونه: إلى متى ستبقينا في حالةِ شكٍّ، لأنّه إن كنتَ المسيح فعلًا كما تقول، فإنّ انتظاراتنا وأفكارنا عن المسيح المنتظر ستكون خاطئة وستموت كلّ طموحاتنا وأمالنا كرؤساء لليهود. إنّ كلامَ يسوع عن نفسه يهدّد فعلًا رؤوساء اليهود ويهدّد كلّ سلطانهم وتعليمهم لا بل يحكم عليهم بالموت، وهذا الأمر لن يطيقه هؤلاء.   

"إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الـمَسِيح، فَقُلْهُ لَنَا صَرَاحَةً": هو نفسه السؤال الذي طُرح على يسوع في المجلس أمام رؤساء اليهود في باقي الأناجيل (لو22/67، مر 14/61، متى 26، 63). في بداية الفصل العاشر من انجيل يوحنا وقبل هذا المقطع يعلن يسوع عن نفسه بأنّه الراعي الصالح، المنتظر ليقودَ شعبه إلى الخلاص، هذا الأمر سيضع أيضًا اليهود في حيرة من أمرهم. إنّ كان هو الراعي الصالح، فهم إذًا رعاةٌ كذبةٌ فاسدون يرعون أنفسهم (حزقيال 34). من هنا نفهم سؤال اليهود ليسوع وحيرتهم. فوجود يسوع في الهيكل واعتلانه هو تبكيتٌ لرؤساء الشعب واعلانٌ لفسادهم  ورعايتهم الكاذبة. أمّا قولهم: " فَقُلْهُ لَنَا صَرَاحَةً" فهو يعبّر عن نيتهم بإحراج يسوع علنًا، لاتهامه أمام السلطات الرومانيّة بأنّه يحرّض الشَّعب على الشَّغب والثورة، المحاولة نفسها نراها في انجيل مرقس (مر 12 / 13 – 17). فقط أمام المرأة السامريّة يسوع سيعلن عن نفسه بصراحة أنّه المسيح (يو 4/25)، لأنّ هذه المرأة، وعلى عكس اليهود، عرفت عطشها الحقيقي واستطاعت أن تؤمن به وتقبل حقيقة أنّه المسيح. 


25 "أَجَابَهُم يَسُوع: "قُلْتُهُ لَكُم، لـكِنَّكُم لا تُؤْمِنُون. أَلأَعْمَالُ الَّتِي أَعْمَلُهَا أَنَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي"

يسوع لا يجيب عليهم بشكلٍ مباشر وإنّما يؤكّد على هويته المسيحانيّة بطريقة غير مباشرة، مذكرًا بما قاله منذ بداية رسالته وبما صنع من أعمال. إنّ أقوال يسوع وأعماله هي من الآب وهي علامات واضحة لتمييز هويته وغايتها الوحيدة الإيمان بأنّه المسيح ابن الله.  وآخر هذه الأعمال كان شفاء الأعمى (يو9/1 -41) الذي أبصر، وهذه هي إحدى أهمّ  علامات مجيء المسيح (مز146/8، أشعيا 29/18، 35/5، 10/42).


26 "لـكِنَّكُم لا تُؤْمِنُون، لأَنَّكُم لَسْتُم مِنْ خِرَافِي"

27 "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وأَنَا أَعْرِفُهَا، وهِي تَتْبَعُنِي"

وحدها الخراف التي تتبع الراعي الصالح، تعرفه وتؤمن به. أن نؤمن بالمسيح لا يتطلّب الأمر منّا مجهودًا فكريًا، إنّما هو مسيرة اتّباع وتتلمذ نعيشها برفقة الراعي الصالح، نعرفه ونؤمن به. يذكّر يسوع بما قاله عن الراعي الصالح (يو 10/4 – 5)، فالخراف لا تتبع غريبًا لأنّها لاتعرف صوته. من علامات معرفة المسيح واتّباعه هو تمييز صوته من بين كلّ الأصوات، هذا الصوت يحيي الأموات ( يدعو لعازر ليقوم ويخرج من القبر (يو 11/43) ويعيد البصر للعميان (يو 9/1 – 14)). 


28 "وأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّة، فَلَنْ تَهْلِكَ أَبَدًا، وَلَنْ يَخْطَفَهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِيط"

29 "أَبِي الَّذي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الكُلّ، ولا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَهَا مِنْ يَدِ الآب"

30 "أَنَا والآبُ وَاحِد"

31 "فَأَخَذَ اليَهُودُ، مِنْ جَدِيدٍ، حِجَارَةً لِيَرْجُمُوه"

من يؤمن بالابن المرسل من الآب ينلِ الحياة الأبديّة (يو 3/16)، لأنّ مشيئة الآب أنْ لا يفقد الابن أحدٌ ممّا أعطاه إيّاهم الآب (يو 6/39). لأنّ من يحفظ كلمة الابن لن يرى الموت (يو 8/51)، ومن يشرب من الماء الذي يعطيه الابن يصير فيه نبع ماء يتفجر حياة أبديّة (يو 4/ 14). لا أحد يختطف الخراف من يد الراعي الصالح، واليدُ هي علامة القوّة والحماية والبركة. ويد المسيح ولو سمّرت على الصليب ستبقى الضمانة الوحيدة للخراف لتحميهم من اللصوص، لأنّها يد الله الآب، وكما ذكر في المزمور 117: " يمين الرب صنعت قوة. يمين الرب رفعتني. يمين الرب صنعت قوة فلن أموت بعد بل أحيا" . الله الآب هو أعظم من الكلّ بهذه الكلمات يسوع يعلن انّ سلطان هذا العالم سيُغلب لأنّ الآب سيقيمه من بين الأموات لكيما بقيامته يحيا كلّ مؤمنٍ.  ويختم يسوع كلامه هذا باعلانه سرّ الشراكة الذي هو سرّ الحب في قلب الثالوث، فهذه الوحدة التي منها كلّ القوّة هي شراكة حبٍّ. وبقدر ما يدخل المؤمن في هذه الشراكة التي تجمع الآب بالابن بقدر ما ينال قوّة وغلبة على الخطيئة والشرّ، عندها لن يستطيع أحدًا أن يختطفه ويعيده إلى الموت. 


32 "قَالَ لَهُم يَسُوع: "أَعْمَالاً حَسَنَةً كَثِيرَةً أَرَيْتُكُم مِنْ عِنْدِ الآب، فَلأَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونِي؟"

33 "أَجَابَهُ اليَهُود: "لا لِعَمَلٍ حَسَنٍ نَرْجُمُكَ، بَلْ لِتَجْدِيف. لأَنَّكَ، وَأَنْتَ إِنْسَان، تَجْعلُ نَفْسَكَ إِلـهًا"

في هذه الآيات يوحنا يسلّط الضوء على التهمة التي وجّهها اليهود ليسوع، هم يرجمونه لأنّه وهو انسان يجعل نفسه إلهًا. هم لا يرفضون أعماله فهي حسنة، إنّما يرفضون هويّته التي أظهرت لهم صورة مخالفة عن الله، فهم لم يتوقعوا  ولن يقبلوا بحقيقة الله "الانسان الحاضر في  وسط شعبه". فيما هم يهمّون لرجمه يسوع يكمل كلامه غير آبهٍ، هذا الأمر يذكّرنا بمحاكمة يسوع أمام عظيم الأحبار في يو 18 / 20 – 24 ، فصوت الحق لا يسكته صوت القوّة والظّلم والضّلال.  


34 "أَجَابَهُم يَسُوع: "أَمَا كُتِبَ في تَوْرَاتِكُم: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُم آلِهَة؟"

35 "فَإِذَا كَانَتِ التَّوْرَاةُ تَدْعُو آلِهَةً أُولـئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِم كَلِمَةُ الله،  ولا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الكِتَاب،"

36 "فَكَيْفَ تَقُولُونَ لِي، أَنَا الَّذي قَدَّسَهُ الآبُ وأَرْسَلَهُ إِلى العَالَم: أَنْتَ تُجَدِّف؛ لأَنِيِّ قُلْتُ: أَنَا ابْنُ الله؟"

للإجابة عليهم يستعمل يسوع الأسلوب الرابيني، فيستشهد بالتوراة بآية من سفر المزامير حيث يقال عن القضاة  "قد قُلتُ: أَنتُم آِلهَة وبَنو العَلِيِّ كلُكم" (مز 82 /6). فالقضاة في مفهوم الشعب اليهودي هم المتكلمون باسم الله، اي أنّهم يمثلونه على الأرض. إذا كان اليهود طبقوا هذا المفهوم على القضاة وهم من الشعب،  لماذا إذًا لا يكون مقبولًا على يسوع وهو من قَدَّسَهُ الآبُ وأَرْسَلَهُ إِلى العَالَم.  في قوله "توراتكم" وليس "التوراة"  لا يتبرأ يسوع من التوراة وإنّما يريد أن يقول أنّهم هم من نصّبوا أنفسهم شرّاح لكلمة الله واستأثروا بكلمة الله وبتفسيرها. ألتوراة في الحقيقة تتكلّم على يسوع، هذا ما أوضحه هو نفسه في يو 5/ 46 : "فَلَو كُنْتُم تُؤْمِنُونَ بِمُوسَى لَكُنْتُم تُؤْمِنُونَ بِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عنِّي. فَإِنْ كُنْتُم لا تُؤْمِنُونَ بِمَا هُوَ كَتَب، فَكَيْفَ  تُؤْمِنُونَ بِكَلامِي؟" وفي يو 5/39 : " إِنَّكُم تَبْحَثُونَ في الكُتُب، لأَنَّكُم تَحْسَبُونَ لَكُم فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّة، وهِيَ الَّتي تَشْهَدُ لِي".


37 "إِنْ كُنْتُ لا أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي، فلا تُصَدِّقُونِي،:

38 "أَمَّا إِذَا كُنْتُ أَعْمَلُهَا، وإِنْ كُنْتُم لا تُصَدِّقُونِي، فَصَدِّقُوا هـذِهِ الأَعْمَال، لِكَي تَعْرِفُوا وتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنِّي في الآب""

يكمل يسوع في ردّه على اتهامات اليهود مستشهدًا أيضًا بالأعمال التي يعملها. فهي تشهد له، هي علامات حسيّة تظهر حقيقته. بالنسبة له هذه الأعمال هي تجسيد للكلمة وتحقيق لها. لا يمكن أن يكذبوا الأعمال لذلك سيدانوا وهذا ما سيعلنه يسوع في خطبة الوداع في (يو 15/24): "لَو لَمْ أَعْمَلْ بَيْنَهُمُ الأَعْمَالَ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْهَا أَحَدٌ سِوَاي، لَمَا كَانَ عَلَيْهِم خَطيئَة. أَمَّا الآنَ فَقَدْ رَأَوا أَعْمَالِي، ومَعَ ذـلِكَ أَبْغَضُونِي وأَبْغَضُوا أَبِي".  


39 "فَحَاوَلُوا مِنْ جَدِيدٍ أَنْ يَقْبِضُوا عَلَيْه، فَأَفْلَتَ مِنْ يَدِهِم"

أقوال يسوع وأعماله تستدعي موقفًا، إمّا القبول وإمّا الرّفض. اليهود رفضوا يسوع وأرادوا أن يقتلوه، وهذا ما عبّر عنه يوحنا في مقدّمة إنجيله: "إلى بَيْتِهِ جَاء، وأَهْلُ بَيْتِهِ مَا قبِلُوه" (يو 1/11)، ولكنّه أفلت من يدهم لأنّ: "النُّورُ في الظُّلْمَةِ يَسْطَع، والظُّلْمَةُ لَمْ تَقْوَ عَلَيْه" (يو 1 /5). 


40 "وعَادَ يَسُوعُ إِلى عِبْرِ الأُرْدُنّ، إِلى حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدْ مِنْ قَبْلُ، فَأَقَامَ هُنَاك"

41 "وأَتَى إِلَيْهِ كَثِيرُونَ وكَانُوا يَقُولُون: "لَمْ يَصْنَعْ يُوحَنَّا أَيَّ آيَة، ولـكِنْ، كُلُّ مَا قَالَهُ  في هـذَا الرَّجُلِ كَانَ حَقًّا"

42 "فآمَنَ بِهِ هُنَاكَ كَثِيرُون"

يسوع يعود إلى المكان حيث كان ظهر في بداية رسالته وحيث شهد له يوحنا المعمدان وهذه الشهادة هي شهادة من الله الآب وليس من البشر (يو 1/33). "أتى إليه كثيرون" يسوع هو مكان اللقاء لكل من سيقبل النور، وهذا ما سيعلنه في (يو 12/ 32): "وأَنَا إِذَا رُفِعْتُ عَنِ الأَرض، جَذَبْتُ إِليَّ الـجَمِيع". 

يوحنّا المعمدان لم يصنعْ أية آية ولكنّه هو أصبح آيةً عظيمة لأنّه "صوت" (يو 1 /23) "الكلمة" التي تجسّدت في المسيح. ما أعلنه يوحنّا المعمدان رآه الكثيرون وآمنوا لأنهم قبلوه  (يو 1/ 12 – 13). 

 

خلاصة روحيّة

في أحد تجديد البيعة نحن أيضًا أمام إعلانٍ صريح وواضح عن هويّة المسيح. في الأحد الأول، أحد تقديس البيعة كان الإعلان في قيصريّة فيليبس  (متى 16 / 13 – 20) وكان الصوت صوت بطرس وكان مصدره، لا اللحم والدم، بل الآب السماويّ. في الأحد الثاني، أحد تجديد البيعة، إعلانٌ جديد في الهيكل في رواق سليمان والصوت هو صوت الكلمة والأعمال التي تشهد لها. في قيصريّة فيليبس كان السؤال للتلاميذ : "وأَنْتُم مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟" (متى 16/ 15 ) وكان عليهم أن يعلنوا موقفهم من حقيقة يسوع.  في رواق سليمان كان على اليهود أن يعلنوا موقفهم من حقيقة يسوع، فكان الجواب الرفض، إذ أرادوا أن يرجموه. رفض اليهود "الجديد" الذي جاء به يسوع، رفضوا تغير الصورة النمطيّة التي كوّنوها هم أنفسهم عن الله. خافوا من الحقيقة التي أعلنها يسوع في كلامه وفي أعماله، لأنّها تهدّد إيمانهم القائم على صورة مشوّهة لحقيقة الله وتفضح عبادتهم الكاذبة وعماهم وضلالهم. 

لا يمكننا أن نتجدّد في الكنيسة إلّأ إذا دخلنا في حالة قبولٍ حقيقيّ للكلمة وعرفنا كيف نميّز ونعرف أعمال الله في زماننا الحاضر. في كثيرٍ من الأحيان نتمسّك بصورةٍ نمطيّةٍ كوّناها عن الله، تتناسب ومصالحنا الشخصيّة وأنانيتنا، فنغلق آذاننا عن سماع كلمة الحق والحياة ونغمض عيوننا ونستسلم للظلام، فلا نعود نرى يد الله التي تعمل وتجدّد الكنيسة والعالم، عندها تصبح عبادتنا جامدة، لا حياة فيها ولا جديد، تتكرّر دون أن تولّد فينا الحياة والخلاص. عسانا في أحد تجديد البيعة نفتح قلوبنا وعقولنا للمسيح الكلمة ليدخل إلى هيكلنا الداخليّ ليحرّرنا من الخوف ويجدد إيماننا به، آمين. 


تحميل المنشور