الآلام والموت والقيامة عند الموارنة: قراءة كتابيّة وليتورجيّة

الآلام والموت والقيامة عند الموارنة: قراءة كتابيّة وليتورجيّة

يتّفق شرّاح الكتاب المقدّس على أنّ يوحنّا الرسول يُدرج إنجيله بين أسبوعين هامَّين:

الأسبوع الأوّل يبدأ باعتلان الربّ يسوع للمعمدان وللتلاميذ الأوّلين، وينتهي بإظهار مجده في وليمة عرس قانا ( ١: ١٩ - ٢: ١٢ )؛ وأسبوع ما بعد القيامة يمتدّ من ظهورات الربّ القائم للمجدليّة والتلاميذ، ولغاية ظهوره لتوما بعد ثمانية أيّام ( ٢٠: ١٩- ٢٩ ).

إلّا أنّ أسبوعًا آخر مميّزًا يمهّد لأسبوع القيامة، هو الأسبوع الأخير من حياة يسوع، يبدأ بدهن قدمَي يسوع بالطِيب في بيت عنيا، إشارة إلى دفنه ( يو ١٢: ١ )، وينتهي بسكب الطيوب على جسده على الجلجلة، ودفنه ( يو ١٩: ٤٠ ).

 يرسم لنا يوحنّا الإنجيليّ الدرب الَّذي سلكته الكنيسة في احتفالاتها الليتورجيّة لأسبوعَي الآلام والقيامة. والكنيسة المارونيّة توقّفت عند هذه المحطّات الرئيسة، واختارت لكلّ منها المقطع الموافق من الإنجيل الرابع. وكانت الأحداث الكتابيّة على النحو التالي:

- قبل الفصح بستّة أيّام ( السبت ): دهن قدمَي يسوع بالطِيب في بيت عنيا. ( يو ١٢: ١ )

- في الغد ( الأحد ): يسوع يدخل إلى أورشليم. ( يو ١٢: ١٢ )

- العشاء الأخير ( الخميس ): يسوع يغسل أقدام تلاميذه. ( يو ١٣: ١ )

- ليلة الخميس - الجمعة: 

* عند المساء: يسوع ينبئ بخيانة يهوذا ( يو ١٣: ١٨ )

* عند منتصف الليل: القبض على يسوع ومحاكمته ( يو ١٨: ١ )

* عند صياح الديك: نكران بطرس ليسوع ( يو ١٨: ١٥ )

- الجمعة:

* عند الفجر: يسوع أمام بيلاطس ( يو ١٨: ٢٨ )

* الظهر: بيلاطس يُسلِم يسوع لِيُصلب ( يو ١٩: ١٤ )

* بعد الظهر: موت يسوع وطعن جنبه بالحربة ( يو ١٩: ٣٠ )

- مساء السبت: دفن يسوع ( يو ١٩: ٣٨ )

- يوم الأحد: قيامة يسوع ( يو ٢٠: ١ )

- بعد ثمانية أيّام: ظهور يسوع لتوما ( يو ٢٠: ٢٤)


  • كيف يتجلّى هذا الزمن الفصحيّ بأبهى احتفالاته في تقليد الكنيسة المارونيّة؟

للكلام على هذا التقليد، لا بدّ من التوقّف عند مرحلة مفصليّة من تاريخ كنيستنا، مرحلة المكرّم البطريرك الدويهيّ (١٦٧٠- ١٧٠٤) الَّذي أفنى حياته في إصلاح الكتب الطقسيّة المارونيّة وتنقيتها من كلّ العناصر اللاتينيّة وغير الخلقيدونيّة. ونتوقّف لهذه الغاية عند مخطوطين:

المخطوط الأوّل: الفاتيكانيّ السريانيّ 441

ففي نسخة عنه محفوظة في مكتبة دير مار أنطونيوس للرهبان المريميّين الموارنة (رقم ٨٨) وموقّعة ومختومة منه، يعرض الدويهيّ في فنقيت (المتعيّد) كتاب الصوم لائحة أيّام الأسبوع الفصحيّ على النحو التالي:

يوم السبت للعازر، يوم الأحد للشعانين، يوم الإثنين للآلام، يوم الثلاثاء للآلام، يوم الأربعاء للآلام وللخاطئة، يوم الخميس للأسرار، يوم الجمعة للصلب، ويوم السبت للقبر.

وفي فنقيت كتاب الحواريّين، يعرض أيّام الأسبوع الأوّل من أسبوع القيامة:

يوم الأحد الكبير للقيامة، يوم الإثنين للحواريّين، يوم الثلاثاء للحواريّين، يوم الأربعاء للحواريّين، يوم الخميس للحواريّين، يوم الجمعة للذهب وللأبرار والصدّيقين، يوم السبت للقيامة، ويوم الأحد الجديد.

إذا قارنّا هذه اللائحة بالروزنامة الحاليّة، فإنّنا نجدها متطابقة، ما عدا بعض العناوين الملفتة للنظر، على سبيل المثال لا الحصر: جمعة الذهب، وهي تسمية نجد لها ما يقابلها بالتّمام في الطقوس السريانيّة الأنطاكيّة والكلدانيّة والبيزنطيّة.

المخطوط الثاني: الفاتيكانيّ السريانيّ 312 

ويعود نسخُهُ إلى سنة 1745، أي بعد وفاة الدويهيّ بنحو أربعين سنة. هذا المخطوط يُقسَم إلى قسمَين: القسم الأوّل ويحوي التكريسات المقدّسة الَّتي تصير على أيدي رؤساء الكهنة، والقسم الثاني يحوي الرتب والتبريكات الَّتي تصير على أيدي الكهنة. نتوقّف عند هذا القسم وتحديدًا على الرتب الَّتي يشملها أسبوع الآلام وأحد القيامة المجيدة.


1- الرتب الطقسيّة موضوع دراستنا

تبريك أغصان الشعانين، الوصول إلى المينا، إعادة افتتاح أبواب المعموديّة، الزيوت المقدّسة، غسل الأرجل، سجدة الصليب، صلاة الغفران، زيّاح الصليب، والسلام.

فبعد الاحتفال برتبة تبريك أغصان الشعانين يوم أحد الشعانين، يأتي الدويهيّ على ذكر رتبة الوصول إلى المينا الَّتي تصير قبل القومة الرابعة من صلاة ليل إثنين الآلام كاختتام للصوم الكبير. وعلى مدار أيّام الإثنين، الثلاثاء، الأربعاء والخميس يُحتَفَل بعد صلاة الصباح بإعادة افتتاح أبواب المعموديّة المقفلة منذ مطلع زمن الصوم من خلال مجموعة سدرات وصلوات تمهيدًا لاحتفالات العماد ليلة سبت النور. ويطلّ يوم الخميس، خميس الأسرار، على مجموعة من الرتب، بعضها يُحتَفَل به في الكرسيّ البطريركيّ كالزيوت المقدّسة  والبعض الآخر في الرعايا كرتبة غسل الأرجل الَّتي تصير بعد صلاة التاسعة (أي الثالثة بعد الظهر) وتقضي بأن يغسِل المحتفِل أرجُل جميع الحاضرين في الكنيسة ويمسحها بالزيت.

يوم الجمعة العظيمة، يُحتَفَل برتبة سجدة الصليب بعد صلاة الساعة التاسعة. ويبدأ الزيّاح من المذبح حيث يحمل الكهنة الصليب بالرداء الأحمر السمّاقيّ وينقلونه إلى الكرسيّ المنصوب له في وسط الكنيسة. يدورون ثلاث دورات حول الكرسيّ ويضعونه عليه. ثمّ  يبخّر الرأسُ الصليب. وبعد رفع الصلوات يتمّ السجود اللائق (المطانيّة) للمخلّص المصلوب على أنغام التقديسات الثلاثة، من دون تقبيل الصليب. ومن ثمّ يُنقَل الصليب إلى القبر تحت المذبح.

يوم سبت النور، يُحتَفَل بصلاة الغفران بعد صلاة التاسعة.

يوم الأحد الكبير، أحد القيامة، يُحتَفَل برتبة زيّاح الصليب حيث يضع الكاهن بخورًا ويبخّر الصليب عند القبر ثمّ يحمله بين يديه وهو مغطًّى بحلّة بيضاء. حينئذ، يرفع الكاهن الكفن عن الصليب ويبارك الشعب به. ويبدأون بالزيّاح. ويطوفون أوّلاً حول المذبح، ومن ثمّ في الكنيسة، ومرّة ثالثة حول الكنيسة. وعند العودة، يجد الكاهن باب الكنيسة مغلَقًا، فيقف ويقرعه، ويصير الحوار بينه وبين الشمّاس الواقف داخل الكنيسة. وبعد الدخول، وتلاوة البركة، ورسم إشارة الصليب على الجهات الأربع، يتقدّم الشعب للتبرُّك من الصليب والإنجيل والكفن الموضوع قرب الصليب. 

أمّا رتبة السلام فما هي إلاّ مجموعة صلوات وطلبات تُقال بينما يتبادل المؤمنون السلام فيما بينهم.


2- مقارنة سريعة بين إصلاح الدويهيّ وواقع الحال اليوم

إنّ المقارنة بين مشروع الدويهيّ الإصلاحيّ وواقع الرتب اليوم تُبَيِّن لنا ما يلي:

‌أ- سقوط رتبة إعادة فتح أبواب المعموديّة من الاستعمال

ب- إدخال رتبة القنديل إلى يوم الأربعاء من أسبوع الآلام، على غرار الطقس البيزنطيّ، وتجريدها من طابعها الأسراريّ، بعد أن كانت في أساس رتبة مسحة المرضى، ويحتفل بها الكاهن عند الحاجة.

‌ج- تحوير في طريقة الاحتفال ببعض الرتب لدواعٍ رعويّة أو بتأثيرات مختلفة

- رتبة غسل الأرجل عَرَفت تغييرًا بالاكتفاء باثنَي عشر شخصًا يمثّلون الرسل الاثنَي عشر.

- رتبة سجدة الصليب يوم الجمعة العظيمة: استُبدِلَ مثلاً اللون الأحمر السمّاقي الَّذي يرمز إلى الفداء باللون الأسود الَّذي يرمز إلى الحزن العالميّ، واستُعيضَ عن المحطّات الثلاث الَّتي ترمز إلى الجلجلة والصخرة والقبر بمحطّتَين. وأصبح الزيّاح مجرّد دورات ثلاث في الكنيسة من دون أي معنى أو مدلول. أضف إلى ذلك أنّ قدّاس رسم الكأس المعروف برتبة القدّاس السابق تقديسه الَّتي يُشير إليها التنبيه في المخطوط 312، والَّتي تصير مباشرة بعد نقل الصليب إلى القبر، ليست من الدويهيّ، لأنّ قدّاس رسم الكأس بصيغته الحاليّة وصل إلينا بعد موت الدويهيّ، بواسطة الطبعة الثانية لكتاب القدّاس سنة 1716.

- وفي أحد القيامة، تمّ الاستغناء عن الحوار بين الكاهن والشمّاس في زيّاح الصليب، وبقي الكفن الأبيض يغطّي الصليب طوال زمن القيامة.


  • ميزة الرتب الطقسيّة في إصلاح الدويهيّ

تمتاز رتب الدويهيّ بأنّها:

1- رعويّة: ما عدا رتبة الوصول إلى المينا الَّتي يضعها الدويهيّ قبل القومة الرابعة من صلاة ليل إثنين الآلام حيث يتعذّر وجود المؤمنين، فإنّ جميع الرتب هي شعبيّة وغالبيّتها يُحتَفَل بها في أسبوع الآلام من أحد الشعانين، حيث يُحتَفَل برتبة تبريك أغصان الشعانين، وحتّى يوم أحد القيامة، حيث يُحتَفَل بزيّاح الصليب ورتبة السلام. وغنيٌّ عن التعريف أنّ أسبوع الآلام هو أسبوع ليتورجيّ بامتياز غنيّ برتبه الَّتي تستقطب أكبر عدد من المؤمنين. 

2- ذات طابع أسراريّ: رتبة تقديس الميرون تشبه ببنيتها نافور شرَر ورتبة تقديس المياه يوم عيد الدنح.

3- أمينة لسير الأحداث الكتابيّة: مثالاً على ذلك رتبة سجدة الصليب يوم الجمعة العظيمة تُعيد حدث الفداء الَّذي ابتدأ بموت المخلّص على الجلجلة وانتهى بدفنه بعد إنزاله عن الصليب ولفّه بالكتّان وتضميخه بالطيوب على حسب عادة اليهود. فتكون الرتبة إعادة لهذه الأحداث. المذبح هو رمز الجلجلة، والكرسيّ المنصوب في الكنيسة هو رمز الصخرة، ثمّ القبر تحت المذبح هو مقرّ عظام الشهداء. 

4- ذات نفحة يوحنويّة: يغلب على هذه الرتب الطابع اليوحنّويّ، فتختار الكنيسة مقاطع من الإنجيل الرابع لرتبة تبريك أغصان الشعانين، ولرتبة غسل الأرجل، ولرتبة سجدة الصليب (حيث كان إنجيل يوحنّا يُتلى لوحده دون غيره)، ورتبة السلام يوم أحد القيامة.

وتجدر الإشارة أنّ مجموعة صلوات إعادة افتتاح أبواب المعموديّة تتضمّن صورًا مستقاة من الإنجيل الرابع: الولادة من الماء والروح، الدم والماء...

5- تفترض هندسة واضحة للكنيسة:

- بيت المعموديّة الَّذي يُقفَل طيلة أيّام الصوم ويُعاد افتتاحه في الأيّام الأربعة الأولى من أسبوع الآلام لتهيئته ليوم سبت النور.

- كوّة في المذبح لجهة الشرق لوضع ذخائر الشهداء، والمصلوب الملفوف بالكفن يوم الجمعة العظيمة.

6- تسلّط الضوء على فرادة الطقس المارونيّ رغم أوجه الشبه الكبيرة مع بقيّة الطقوس الشرقيّة:

- رتبة الوصول إلى المينا في الطقس المارونيّ، تقابلها رتبة "النهيريّ" عند السريان، ورتبة العذارى العشر عند الكلدان ورتبة الختن عند البيزنطيّين.

- حمل المؤمنين للزهور لتضميخ جسد يسوع المصلوب يوم الجمعة العظيمة، فيما في الكنيسة السريانيّة يُغسَل الصليب بماء الورد ويُلَفّ بالكتّان والبخور. وفي التقليد البيزنطيّ يكون الكفن محاطًا بالزهور المعدّة سلفًا. أمّا عند اللاتين، فلا وجود لهذه الحركة الرمزيّة.

- زيّاح الصليب في أحد القيامة وقرع الباب شبيه، من حيث الشكل، برتبة الهجمة عند البيزنطيّين.

وهذا ما يعزّز القول بأنّ الدويهيّ شذّب الرتب المارونيّة ونقّاها من كلّ شائبة من حيث الشكل وأظهر خصوصيَّتَها.

وهذا ما يؤكّد من جهة أخرى، الرابط الوثيق بين الكتاب المقدّس والليتورجيّا.

فالحركة الطقسيّة بأمانتها للنصّ الكتابيّ، تكون تأوينًا حيًّا له. والكنيسة المارونيّة الَّتي تلوّنت ليتورجيّتها بروحانيّة الإنجيل الرابع، كما تبيّن لنا في هذا العرض، عرفت عبر تاريخها كيف تكون كالتلميذ الَّذي حنى رأسه على صدر المعلّم الإلهيّ، وأخذت مريم إلى خاصّتها. وجاءت احتفالاتها مزدانة بالنصوص والصور الكتابيّة وبعيدة عن كلّ حركة جوفاء. 

يا ليتنا اليوم، نبقى أمينين لنقاوة هذه الروحانيّة وعمقها الكتابيّ، فلا ننقاد بارتجال مفرط إلى محاكاة ثقافات وتقاليد ليست لنا بل نحافظ على جوهر الإرث الَّذي تقلّدناه فتكون احتفالاتنا تجسيدًا للكلمة وندعها هي تحاكينا في عمق كياننا، في إطار احتفالنا بالسرّ الفصحيّ.