عيدٌ دينيّ أم ذكرى دنيويّة: لماذا نحتفل برأس السنة؟

عيدٌ دينيّ أم ذكرى دنيويّة: لماذا نحتفل برأس السنة؟

هي ليلةٌ ينتظرها العالم من سنةٍ إلى أخرى، هي ليلةٌ يتوهّمُ الإنسان فيها بآمالٍ مُزيّفة مبنيّة على دفع مبالغٍ هائلة كي يكون سعيدًا: هي ليلةُ رأس السنة. وكأيِّ عيدٍ آخرٍ نحتفل به "عالعمياني" غافلين معناه الحقيقي، لا بدّ أن نسأل أنفسنا اليوم لماذا نحتفل به. 


لكي نفهم المعنى الحقيقي لرأس السنة علينا أن نعود ألفي سنة إلى الوراء ونجول بلمحةٍ سريعة على الروزنامة المعتمدة آنذاك والّتي تألّفت من 10 أشهر و304 يومٍ في عهد الرومان. وكانت الشعوب في ذاك الزمان تحتفل برأس السنة في شهر آذار في الّليلة الّتي يتساوى بها النهار بالليل، وقد تتغيّر ليلة الإحتفال بين الأوّل من آذار و28 من الشهر عينه. في القرن الثامن قبل الميلاد، أضاف الملك بومبيليوس شهرَي كانون الثاني وشباط لتصبح السنة 12 شهرًا. ثمّ، سنة 46 قبل الميلاد، حدّد الإمبراطور يوليوس قيصر نهار الأوّل من كانون الثاني ليلة الاحتفال برأس السنة بعد الاستعانة بعلماء الفلك، وأصبحت الروزنامة مؤلّفة من 15 شهرًا و445 يومٍ، وسُميّت هذه السنة، "سنة الكبيس". سنة 153 ق.م. حُدّد رسميًا شهر كانون الثاني، شهرًا للإحتفال برأس السنة لأنّ تفسير اسمه باللّغة الأجنبيّة يعني التحوّل والتجدّد. ومع مرور الزمان، إنقسمت الشعوب إلى قسميَن: قسم اتّبع نهار الأوّل من كانون الثاني للاحتفال برأس السنة وأغلبيَّتهم من مسيحييّ الغرب لأنّه يدخل ضمن الأيّام الإثني عشر الميلاديّة، والبعض الآخر كبريطانيا والولايات المتحدّة الأميركيّة التزمت بالتقليد القديم واحتفلت في شهر آذار. إلى حين مجيء البابا غريغوريوس الثالث عشر وإنشاء الروزنامة الغريغوريّة المُعتمدة حاليًا وهي مؤلفة من 12 شهرًا و365 يوم مع نهار 29 شباط الّذي يُصادف كلّ أربع سنوات وهي "سنة الكبيس" وتحديد الأوّل من كانون الثاني عيدًا لرأس السنة.


تختلف هذه الرواية مع المسيحييّن في العصر القديم عينه الّذين اعتبروا ليلة رأس السنة "عيدًا" يحتفلون من خلاله بذكرى المعموديّة ويكرّمون مريم العذراء. وأيضًا، إعتمد بعض الكاثوليكيون، الأوّل من كانون الثاني عيدًا لرأس السنة مُعتقدين أنّ بداية السنة هي بداية الإنسان الجديد مع ولادة يسوع المسيح، لذلك كان البعضُ يحتفلون بالسنة الجديدة في 25 كانون الأوّل. ويُصادف 31 كانون الأوّل عيدًا للبابا القدّيس سيلفيستر. لهذه الأسباب، أصبحت ليلة رأس السنة عيدًا يُحتفل به عشّيّة 31 كانون الأوّل. 


وبالعودة إلى حاضرنا المُخجل، أمست ليلة رأس السنة، ليلة الوعود الكاذبة الّتي يتلاعبون فيها بعقولنا من خلال الأبراج والتوقعات محوّلين إيّاها إلى آلياتٍ تعملُ بحسب تغيّر مسار الكواكب. فيتأثر عقلنا الباطني بالتفاهات الّتي تفرضها علينا التلفزيونات المحليّة، ويتصرّف لا إراديًّا وفقا لما أملى عليه برجه.

جميلٌ أن يفرح الإنسان ويمتلئ من الأمل بسنة جديدة في حياةٍ قد تكون ظالمة في أحيانٍ كثيرة. جميلٌ أن يتحلّى الإنسان بالرجاء والطاقة الإيجابيّة. لكن من المحزن أن يبني الإنسان رجاءه على الفلك والكواكب، من المؤسف أن يتحوّل الإحتفال إلى استغلالٍ استهلاكيٍّ كبير ومن المُخجل أن يُمسي الإنسان آلةً يتحكّم بها السوق التجاريّ والإعلام.

ليس مقبولًا بعد الآن أن نحتفل بشكلٍ عشوائي دون العودة إلى جذور العيد، هو أمرٌ مرفوضٌ أن نسير وراء عاداتٍ غافلين معناها الحقيقيّ. ليكن وعدنا للسنة الجديدة هو التحرّر من جهل الإعلام، مدركين أنّ المعرفة وحدها تُساعد الإنسان على بناء حياته بملئ إرادته.