الصفحة الرئيسية  

بحث



روحانية خوري آرس

- مقدمة عامة:

واقع الحال : غالباً ما نتكلم عن قيامة المسيح شاهدين لها مدافعين عنها الى حدٍ صار يسوع بعيداً وكأنه لا يمكننا إدراكه. وإن تكلمنا عن القديسين فكما نقول في صلاة قداسنا : هم الذين منذ الطفولة لم يعرفوا الخطيئة. وفي قانون الإيمان نردد بسرعة : تجسد وتألم وصلب ومات دون التوقف على مرحلة التعليم أو دون ذكر الواقع الذي عاشه يسوع. وفي الصلاة الإفخارستيا نذكر الموت والقيامة غافلين أمانة الرسالة التي اوصلته الى الصليب. في الحقيقة كل مسيرة القداسة تبدأ من لاهوت التجسد فيسوع أخلى ذاته طوعاً وبحرية متخذاً صورة عبد لكي يجذبنا إليه إذا ما ارتفع عن الارض. يدعونا لاهوت التجسد الى اكتشاف إله بسيط وعادي جداً بإمتياز . وإنسانيته هي برهان اكيد على ألوهيته, في لاهوت التخلي نقترب ونقترب من كل فئات المجتمع وبالاخص المهمشة . من التجسد الى القيامة مسيرة خلاصية تطورت وتعمقت وتوضحت في الزمن والتاريخ ونحن لا نتقدس دون المرور في واقع الزمان والمكان. لكن لكلٍّ منا مسيرة حياة فريدة في تاريخه الزمني قد تعكس جراحات ومعاناة. غالباً ما تقلقنا وتغلقنا على ذواتنا فينتج عنها أمراضاً وآلاماً جسدية ونفسية. أو نسعى للإنتقام في لا وعينا من نفسنا في الآخرين مما يزيدنا قلقاً وإضطراباً وسقوطاً في الهاوية. غالباً ما نهرب من الواقع بتكثيف أعمالنا التقوية والنشاطات أو بعكس ذلك نهرب الى مثالية حالمة، أو نعيش بالمظاهر، وهذا ايضاً هروب مبطن . والبعض قد يلجأ الى اتباع نداء الشهوات (مخدرات، شراب، جنس، مال، اكل ....) وهذا هروب ظاهر.

أما تجسّد يسوع الذي إشترك فيه بآلام الآخرين هو حوّل الآلام الى مسيرة حب يناضل لتخفيف آلام الاخرين بإعطائها معنى جديداً.

إختبر يسوع فقر المغارة والتهجير وعاش فقيراً وابتلي هو نفسه بالآلام ليستطيع أن يغيث المبتلين (عب٢/ ١٨)، وتعلم الطاعة، وهو الإبن، بما عانى من الالم ... فبلغ الى الكمال، فصار سبب خلاص لجميع الذين يطيعونه. وجعله الله عظيم كهنه على رتبة ملكيصادق (راجع عب ٢/٨-١٠). هذه الآلام المرّة جعلت من يسوع انساناً حساساً، شفافاً، صادقاً، ملتزماً، أميناً حتى الموت، في نضال لا عنفي لخلاص البشرية.

إيماناً هو جواب حرّ لدعوة المسيح، هل نؤمن أن يسوع موجوددون علاقة معه؟ هل نؤمن بيسوع من خلال ممارسة الواجبات ؟ أم نؤمن في يسوع فنتبنى مسيرة حياته ؟ فنقبل جراحنا بحرية فتتحول معه أداة لنضالنا في مدرسته.

من لاهوت التجسد نتحذر في الواقع ونرفع الواقع صلاة فيخاطب الله عقلنا لنفكر مثله ومعه وله. وقلبنا لنحبه ونحب مثله، وإرادتنا لنعمل له ومثله ومعه. بذلك نعمل من قلب الواقع وبأدواته لتغييره لا هرباً منه. فالتطلع المثالية الحالمة يتحقق عندئذ في الواقع. فلا تعود تغريك المظاهر بل تنظر الى الداخل.
يقولون بالفرنسية : Le monde conjugue le verbe avoir et Dieu conjugue le verbe être.   
فتصبح مناضلاً لتحرير الضعفاء والمتألمين والمهمشين. وفي مسيرة النضال تكتسب وتتجلى فيك صورة وشخصية المسيح صاحب الحس المرهف والحنون فتكرس ذاتك لبلسمة جراح المتألمين وتصبح وإياهم إنجيلاً مفتوحاً وتدخلهم بدورهم في مدرسة الحب محولاً الذي تألم الى مشارك في آلام الأخرين. وقد تزيدك آلامهم إلتزاماً وحماسة وغيرة وامانة لخلاصهم بمجانية تدفعك الى التشبه بالمعلم الذي قال " وليس حبّ أعظم من هذا وهو أن يبذل الإنسان نفسه لأجل أحبائه".
وأخيراً نتعلم من لاهوت التجسد تحويل تجاوب يسوع الثلاث : الشهوة الى حب، السلطة الى خدمة وحماية للأضعف، والمال من هدف الى وسيلة. نستطيع بذلك أن نتفهم مسيرة القديسين الذين أخذوا يسوع مثالاً ومعلماً لهم. تتلمذوا على يده وتشبهوا به وعاشوا ببطولة الفضائل الإلهية. ومنهم خوري آرس الذي سنعرض بإختصار واقع حياته الانسانية الذي حوّله هو الى طاقة حبّ تسليمه ذاته لإرادة الله على ما يقول هذا التأمل بالفرنسية :
Qui prie aime une fois.
Qui chante aime deux fois.
Qui souffre aime trois fois
Qui se donne à Dieu aime toujours.

أبرز محطات الالم والمعاناة التي واجهت جان ماري فيانيه قبل وخلال مسيرته الكهنوتية.

هذه المحطات هي الواقع الذي أفرز وأنبت وانضج مشروع قداسة خوري آرس بفضل قبوله لهذا الواقع وتسليمه لارادة الله وإيمانه بعنايته.
•    ولد جان ماري فيانيه في عائلة فقيرة مؤمنة في زمان كان الكهنوت فيه مركزاً اجتماعياً من نصيب الميسورين.
•    ولد في الثورة الفرنسية التي كانت تضطهد الكنيسة والتي إنقسمت يومها بين موالٍ للسلطة ومناهض لها. وتعرف جان ماري الطفل على هذين النوعين من الكهنة ونذكر كيف كان يبكي لدى رؤيته لباب الكنيسة مقفلاً ويقول أريد أن أصبح كاهناً ولو كلفني ذلك الاستشهاد.
•    واجه والده دعوته الكهنوتية بالرفض وكذلك خادم الرعية لقلة ثقافته.
•    قبلت دعوته بوصول كاهن جديد الى رعيته ولكنه إصطدم بوعورة اللغة اللاتينية بالاضافة الى تعييره من رفاق الصف وهو يكبرهم سناً. فاعترضته تجربة التخلي عن دعوته خاصة وانه يكلف أهله مصاريف وهم يكدحون في الحقول لتحصيل لقمة العيش.
•    إفتداء أخيه له والذي ذهب الى الحرب بدلاً عنه وموته في روسيا وعدم رجوع جثمانه الى العائلة الامر الذي سبب مرض والدته ووفاتها.
•    رُفض من قبل الادارة الاكليريكية بأن يرسم كاهناً بعد إنهائه دروسه بسبب علاماته المتدنية. توّسط له مرشده لدى النائب العام الذي قبل دعوته بسبب تقواه. قائلاً : فرنسا ليست بحاجة اليوم الى مثقفين بقدر ما هي بحاجة الى قديسين.
•    كان يفرح أن يكون كاهناً ولكنه كان دائم القلق في ان ينجح كخوري رعية.
•    كان ينتابه صراع بين الحياة النسكية وخدمة النفوس في الرعية.
•    بعد تاسيسه للميتم اتهم بالزنى مع فتاة أنجب منها ولداً. فانتحرت واخذ ولدها على عاتقه الى ان كشف الزاني وهو على سرير المرض والنزاع حقيقة الامر لمعرفة الذي طلب اليه اعلان الحقيقة امام الجميع وتبرئة الخوري، ولما فعل ذلك حزن خوري آرس لان هذا الصليب أنزل عن كاهله.

 أردنا من هذا العرض السريع لابرز الآلام والتحديات التي واجهته ان نقول ان لا دعوة كهنوتية ولا خدمة رعوية بدون المعلى ما يقال بالفرنسية : Qui aime trop, souffre trop. Qui souffre trop, aime trop.  ونحن بحاجة الى ان نعي دورها في مشروع الله الخلاصي لنحولها الى طاقة حب. هذه الآلام التي تحملها في الصبر، الذي هو إحترام وقت الله، زادت خوري آرس حباً وعطاءً عندما قارنها مع تدبير العناية الإيجابي في حياته من خلالها.

ونحن سنتعرف اليوم على روحانية خوري آرس المتجذرة في الواقع والتاريخ من خلال تسليط الضوء على المواضيع الروحيّة التالية:
١-    نكران خوري آرس لذاته.
٢-    تواضعه.
٣-    فرح الحياة الداخلية.
٤-    إيمان خوري آرس.
٥-    رجاؤه.
٦-    محبته ليسوع.
٧-    محبته لخلاص النفوس.
٨-    محبته للفقراء.
٩-    أسلوبه في الوعظ.
١٠-    كيف يتكلم عن القديسين.
١١-    خوري آرس الكلمنجي.

أفكار خوري آرس حول نكران الذات والموت عن نفسه

على مثال المعلم الإلهي الذي أخلى ذاته طوعاً كان خوري آرس مقتنعاً مثل كل القديسين أن الكنز الوحيد للقلب هو التخلي، وان إماتات وتضحيات النفس ليست للهدم بل لإنعاش الروح وتحريرها من الأرضيات. لذلك شدّد كثيراً على الموت عن الانا، والتخلي عن الارادة الذاتية ويقول : " ليس لنا إلا إرادتنا نخرجها من أعماقنا ونقدمها هدية الله. وتسليم الإرادة جميل عنده اكثر من صيام كامل. في كل مرة نستطيع فيها التخلي عن ارادتنا لنعمل إرادة الآخرين التي لا تنافي الشريعة نكتسب نعماً كثيرة وحده الله يعرفها".
أفكر مثلا في الخادم الذي يحقق ارادة معلمه إذا حوّل هذا الإستلام لخيره تكون حياته سعيدة أكثر من راهية متعلقة بقشور القوانين. علينا في كل ساعة من حياتنا اليوميّة التمرّس في التخلي عن ارادتنا. مثلاً نمتنع عن زيارة ترضينا، نقوم بعمل محبة يزعجنا، نتأخر دقيقتان عن ساعة نومنا، ننهض دقيقتان باكراً (طبعاً للصلاة). أو عندما نخيّر بين عملين نعطي الأفضلية للذي يعجبنا أقل. ويخبر القديس MAUR كان مرضياً لله ولرؤسائه ببساطته وتواضعه الأمر الذي زاد حسد اخوته الرهبان . فقال رئيسه، مدافعاً عنه، سأظهر لكم لماذا أنا متعلق بهذا الأخ الصغير؟ لأنه كان بخلاف الآخرين فعندما أطرق بابهم يتخلفون عن فتحه سريعاً إلا هو فكان يترك نقل الكتاب المقدس لكي يجيبني طاعة، في مشوار التخلي عن ارادتنا علينا أن نقبل القيام بالخطوة الأولى عندها نتعود على امتلاك هذه الفضيلة ومعها نمتلك كل شيء.
وفي حديثه  عن الصليب يقول خوري آرس : الصليب يعرق الأريج ويرشح الطيبة. كلما تمسكنا به واعتصرناه  بأيدينا بقوة وجذبناه الى قلبنا كلما إنسكب منه البلسم والرحيق. الصليب هو أحكم كتب مطالعتنا وجهلة هم الذين لا يطالعون كتاب الصليب. أحكم الحكماء هم اللذين يحبونه ويستشيرونه ويتعمقون في معرفة سره، رغم مرارته. كلما دخلنا في مدرسته كلما رغبنا البقاء. وكلما مكثنا أمامه يمر الوقت دون ضجر. فيه نعلم كلّ شيء وكل ما تذوقناه كلما جعنا اليه.
سُئِل خوري آرس اذا كانت التناقضات تفقده السلام. فصرخ بتعبير سماوي: هل الصليب يفقدنا السلام ؟ انه سلام العالم . يجب ان نحمله في قلوبنا. وكل تعاستنا تكمن في عدم محبته.
إن الخوف من الصليب هو الذي يزيد صلباننا. أجمل إتحاد للنفس بسيدها يسوع المسيح هي محبة فضيلة الصليب. انا لا أفهم كيف ان مسيحياً يهرب من الصليب ولا يحبه يكون بذلك رفض المعلق عليه والذي مات من أجلنا.
كان خوري آرس مثقلاً بالتناقضات التي تعاكسه فحاول أن يكتب رسالة الى اسقفه ليسأله أن يخفف من أتعاب خدمته ولمّا جاء ليمضيها قال اليوم هو يوم الجمعة، هو اليوم الذي حمل فيه سيدي صليبه وانا اتركه ؟! فكيف لا أحمل صليبي وسيدي في هذا اليوم حوّل إذلاله الى نِعَم.
 
أسئلة للتفكير:
-    ما هو دور الأنا في حياتك ؟ هل تتخلى عن ارادتك الذاتية ؟
-    هل تتمرس من خلال الإماتات على نكران الذات ؟
-    ما هو موقفك من صليب آلام خدمتك؟
-    هل تتامل آلام المصلوب كما تطالع الكتب الأخرى ؟
-    الخوف من الصليب هو الذي يزيد صلباننا. ما هو رأيك ؟


-    تواضع خوري آرس

 في غمرة الشهرة والأعاجيب التي كانت تجري على يده كان خوري آرس يحذر تجربة الكبرياء تحاشياً لذلك كان يلجأ الى ذكر خطيئته أمام كل مديح ناسباً كل الخير الى الله وكلّ شر لنفسه. مرة مدحه أحدهم فرفع عينيه الى السماء وبتعبير حزين اجاب : " آه لو لم يكن عندي تجربة اليأس". وبما أن التواضع هو معرفة الذات بصدق قال يوماً بعد ان وصل الى يديه رسالتين الاولى تمدحه والثانية تهجيه " لا يجب أن نعطي أهمية لهجاء لئلا نحبط ولا لمديح فلا نتكبر". وأضاف " الرسالة الأولى لم تنَقِص مني شيئاً ولا الثانية زادتني. فأنا كما أنا أمام الله". كان خوري آرس يعرف محدوديته وأن الله يحوّل ضعفنا الى قوة وجهالتنا الى حكمة فقال : " الله اختارني كأداة ليوزع نعمه على الأخرين ولو وجد جاهلاً أكثر مني لفضّله عليّ".
كان خوري آرس لا يغريه مديح الناس لا بل كان يفرح بالإهانات ويردد إذا قالوا عليكم سؤاً إعتبروا ذلك حقيقة. أما إذا مدحوكم فاعتبروا ذلك سخرية بكم. أيهما أفضل أن يحذروكم من الخطأ أو الكذب عليكم. لم يكن خوري آرس يتكلم عن نفسه فكان يجيب بوداعة متحفظاً تدفع السائل الى السكوت. كان يغيّر كل حديث عنه مؤثراً إبراز نقائصه وتفضيل الأخرين عليه. مدح يوماً أحدهم وكان يحبه فشبهه بالنسر والسنونو. وسُئِلَ بمن يشبه هو نفسه؟ فقال أنا اشبه الأوزة وديك الحبش والسلطعون.
لكثرة ما كان يستفيض من نعت نفسه بصفات حقيرة ذارفاً دموعاً غزيرة على كثرة خطاياه كان يدفعك لتصدق أنه من أحقر الناس. كان يقول : كم هو الله صالح لأنه يستطيع أن يتحمل ويرحم خطاياي الكثيرة . لم يضع فيَّ لا طاقات ومواهب ولا علم . فلا  أرى في نفسي إلا خطاياي لذلك أرتمي أمام بيت القربان مثل الكلب عند أقدام معلمه.
كلما ازددنا صدقاً مع ذواتنا كلما زادنا الله رفعة. سأله أحدهم ماذا أعمل لأكون حكيماً ؟ أجاب الخوري آرس : " تواضع، تواضع، كبرياؤنا هو الذي يبعدنا عن القداسة، هو سلسلة المسبحة لكل العيوب والتواضع هو سلسلة المسبحة لكل الفضائل".
وبإختصار في تعليمه عن التواضع يقول : التواضع هو كدفة الميزان كلما إنخفضت من جهة ترتفع من جهة ثانية.
أمام تواضع خوري أرس نتسأل عن مدى معرفتنا لذواتنا:
-    هل أفتش عن مديح الناس لي ؟
-    هل أسكر بمديحهم وأضيع عن الهدف ؟
-    هل تواضعي حقيقي أم هو كبرياء مبطن ؟
-    هل يثير غيرتي نجاح الأخرين ؟
-    هل أؤمن أن الله يرفعني إذا قبلت الإقرار بضعفي ؟


أفكار خوري آرس عن فرح الحياة الداخلية.

فرح الحياة الداخلية يكتمل عندما تتحد نفسنا بالله. هذا هو هدف حياة الصلاة والاسرار والاحتفالات الدينية. مرات عديدة تكلم خوري آرس عن الصلاة والحياة الداخلية. ما تطرق الى هذا الموضوع دون ان يذوب قلبه فيه، ويقول : " أن اكون ملكاً موقع حزين لأننا ملوك على الناس. ولكن ان نكون كلا لله يملئنا دون منافسة وانفصام بين الداخل والخارج. جسدنا الله روحنا الله. جسد طاهر وروح نقية آه ما اجمل ذلك". يقول ذلك بدموعه.
يصف خوري آرس الحياة الداخلية أنها حمّام حب. حيث تغطس فيه النفس وتغرق في الحب. هناك يغمر الله بقبلاته وحنانه النفس، المتلهفة لمعانقة الله، كما الام ولدها، وجسد هذا العناق في لقاء يسوع القائم من الموت مع تلاميذه، عندما منحهم سلامه وقال أيضاً إن نفسنا التي تتوق في الأرض الى مثل هذا اللقاء ستحصل عليه كاملاً وسريعاً بعد الموت. إن فرح الحياة الداخلية بالنسبة لخوري آرس ينبع من محبة الله الذي بادر وجاء إلينا وكلفته محبته هذه بذل دمه. نبادل يسوع محبته هذه عبر وسيلتين الأسرار والصلاة : مشاركتنا الفاعلة في الأسرار وصلاتنا الحارة.يعطينا مثلاً عن الصلاة فيقول : يجب عند نهوضنا كل صباح أن نقدم قلبنا وعقلنا وفكرنا لله وكل ذاتنا كي لا نخدم إلا مجده. علينا أيضاً أن نجدد مواعيد معموديتنا، ونشكر ملاكنا الحارس ونطلب عنايته هو الذي حرسنا خلال النوم.
-    فالصلاة ليست واجب بل هي حياة بالروح القدس وثمرة حضوره فينا. يجب أن لا نكف طوال النهار عن ترداد صلاة القلب : " إرحمني يا الله " كما يطلب الطفل قطعة خبز من أمه. أو يمد يده لتقبله. من لا يصلي هو كالدجاجة تطير قليلاً ثم تهبط الى الارض فتتمرغ في التراب. اما الذي يصلي هو كالنسر الذي يحلق في الاعالي راغباً في التقرب من الشمس.
-    تتجسد الصلاة في اعمال المحبة، كما أن ميزة المنبوذ هي الحقد ولا يُحب محكوماً بالهلاك محكوماً آخر، وقد تنعكس هذه الكراهية على الله. وهذا هو الجحيم. اما القديسون فيحبون كل العالم، يحبون اعداؤهم، قلبهم المشتعل بالمحبة الإلهية يحب كل النفوس التي يضعها الله على طريقهم كما تمتد أجنحة الدجاجة وسع فراخها قلب القديسين ثابت كالصخرة في قلب البحر رغم الامواج  الأنفس التقية التي تمارس الأسرار دون أعمال محبة هي كأشجار مزهرة دون ثمركم هو جميل يوم القيامة حيث نرى النفوس تخرج من السماء كشموس مجد فتأتي لتتحد بالأجساد التي لبستها على الأرض، فكلما أميتت هذه الأجساد كلما لمعت كالجواهر.

إمتلاك الله هو سعادة السعادة هذا ما نراه من خلال إتحاد القديسين بالله ويذكر خوري آرس عدة أمثال : قصة سمعان العامودي عندما نزع الهواء رداءه وجدوه قطعة جليد ولما وضعوه في الماء الساخن إعترض قائلاً : لماذا فعلتم هكذا لقد كنت في ذروة السعادة. لسنا بحاجة لإكثار الكلام في الصلاة، نعرف تماماً أن الله حاضر في بيت القربان. لنفتح له قلبنا ونستلذ حضوره المقدس هي أجمل صلاة. ويقدم لنا مثل رجل كان يملك قصراً كان يذهب كل صباح لدى طلوع الفجر عندما تفتح أبواب الكنيسة وكانوا يرسلوا وراءه لتناول الفطور فيعترضهم قائلاً لماذا لا تدعوني  ارتاح ولو للحظة وكان لا يدري بسبب انخطافه أنه هناك منذ الرابعة فجراً.

موضوع خوري آرس المهم هو عن الخيرات الموجودة في المناولة المقدسة فيقول : " لا شيء يشبع كياننا أكثر منها. لو فهم ذلك البخيل لما تبع ثروته والطموح مجده لترك كل واحد ارضه نافضاً غبار أرجله ليطير الى السماوات ". ويقول أيضاً : " ما أسعد المناولة يرتاح الله على لسان خليقته ويتخذ طريق الفم قصراً ليستقر على عرش قلبها".
" آه يا ربي هناك اناس نحمدك لأجلهم لأنهم قدروا هذا الشرف، منهم ذلك الأسقف الذي لبس شارات حبريته ليكنس الكنيسة، أو أحد الملوك الذي أراد أن يعصر حبات العنب ليهيء بيديه النبيذ لتقديسه وعجن بيديه خبز التقدمة . ويقول مناولة جيدة تكفي لأن تشعل النفس بمحبة الله وإزدراء الأرض".
أحد كبار هذا العالم جاء يوماً الى هذه الكنيسة وكان بحوزته ٣٠٠ ألف فرنك، فأعطى مئة لبناء الكنيسة ومئة لاهله وذهب للترهب عند ال Trappiste
-    مناولة مقدسة كافية ليتذوق الإنسان مسبقاً لذة الأفراح السماويّة ولكي نحتفل بالقداس يجب أن نكون ساروفيميين، أمسك الرب بيدي وينقاد لتحركاتها. لو كنا نعرف ما هو القداس لمتنا من الفرح ، للأسف يا رب هناك كهنة يقومون بذلك وكأنه شيئاً عادياً.

-    أسئلة للتامل :
-    هل نلتزم الصلاة اليومية كاتحاد بالروح القدس؟
-    هل تتذوق حلاوة الصلاة كمعانقة لله ؟
-    هل يلهيك العمل الرعوي عن حياة الصلاة؟
-    هل تتخشع في الكنيسة وامام القربان كما كنت في أيام دعوتك الاولى؟
-    هل توفق بين الصلاة واعمال الرسالة والمحبة؟
-    هل تهتم بزينة ونظافة وجمال الكنيسة وبيت القربان اهتمامك بنفسك؟
-    هل تحيي ساعات سجود دورية أمام القربان؟
-    هل تتحضر للإحتفال بالقداس؟ وهل تأخذ وقتك بعده للشكر؟

-    إيمان خوري آرس

نال الخوري آرس هبة الايمان نوراً زاهياً من الروح القدس وكان يرى الاحداث الالهية بنظرة بسيطة واثقة وتذوق يستطيبه داخلياً، واشعله حرارة داخلية حركت احشاءه وتجلت له الحقائق الالهية بفضل اتحاده بالله وكأنها محسوسة مرئية. وما نراه نحن بطريقة ضبابية كان يراه جلياً يقول : لو نظرنا الى جرس الكنيسة ينبغي ان يخفق قلبنا امام بيت الله كما يخفق قلب الحبيب عندما يدنو من بيت المحبوبة.
ولكن للاسف هناك مسافات شاسعة تفصل بين ايماننا والله . نحن هنا وهو وراء البحار، عميان البصر من هم بلا ايمان وبالعكس فالايمان هواء يبدد الضباب وينير الكون بشمسه الساطعة الناس اليوم كما في ايام المسيح لهم عيون ولا تؤمن لان سلطة الشيطان ما زالت تعمي ابصار العالم الضعيف.
ويتجلى لنا ايمانه الحي في مسيرة حياته كلها ويشهد على ذلك قداسة حياته التي طبعت كل اعماله ورسالته وما اكثرها.

أسئلة للتأمل:
-    هل تؤمن بيسوع حاضراً في مسيرة حياتك؟ أم تكتفي بحصره في حياة الاسرار والروبوبريكات والطقوس؟
-    هل تؤمن أنه حاضرٌ في الاسرار كي تتحضر لاحيائها؟
-    هل انت تنقل ايمانك للاخرين من خلال أعمالك ومثل حياتك أم تكتفي بالوعظ والتعليم ؟ فيصدق فيك المثل الذي لا يكف ابناء رعايانا عن ترداده : " إسمعوا اقوالهم ولا تفعلوا افعالهم"؟.

 رجاء خوري آرس
ان فضيلة الرجاء هي القوة التي نواجه بها قوة الموت. لان رجاءنا هو يسوع الذي انتصر على الموت . فالرجاء هو الفضيلة التي تطبع حياتنا المائتة بطابع القيامة وغالباً ما نحصر رجاء رجاءنا ككهنة الى مستوى الآمال البشرية الضيقة. اما خوري آرس كبولس وكل القديسين الذين سبقوه يرجو انتقاله من هذه الارض الفانية الى الوطن الحقيقي في السماء. ما يطغي على فكره هو مخافة الله والانتصار على تجربة اليأس. تمنى الموت مراراً لا هرباً من الحياة بل هدفاً سامياً للقاء الخير المطلق. تكلم عن هذه القناعات في صور وتشابيه :
-    نسافر كالسنونو التي قليلاً ما تستقر أو كشعلة النار التي ترتفع في العلاء او كمنطاد يعلو عندما تقطع حباله.
ويقول : إن القلب يميل الى من يحبه اكثر : يسعى المتكبر الى مراتب الشرف، والبخيل لكسب المقتنيات، والثائر الى الانتقام، وقليل الحياء الى ملذاته، ولكن المسيحي المؤمن يتوجه الى السماء حيث كنزه الحقيقي وكم استشهد بأمثلة عن القديسين بدت لهم الحياة فانية مقياساً الى بهاء مجد السماء حيث تغمرنا محبة الله وتفيض.
ان طهارة القلب وازدراء العالم ومحبة الله وحياة النعمة وحمل الصليب هم طريقنا وهدفنا لكسب السماء.

اسئلة للتأمل:
-    أمام صعوبات الخدمة الكهنوتية والرفض والآلام والفشل احياناً هل تشعر بالاحباط واليأس؟ أو هل وضعت رجاءك في نجاحك أم في قوة الحب الذي يفتح رجاءك الى أبعد من حدود الارض؟
-    ما هو هدف خدمتك وحياتك مجد الارض ام مجد السماء ؟

محبة خوري آرس ليسوع

النفس التي إمتزجت بالنعمة تزداد حرارة ودينامية في عيشها محبة الله بحسب هذا المنطق وضع خوري آرس كل طاقات نفسه وأنوار فكره ومنابع إرادته في خدمة محبة الله المطلقة.
كان همه الوحيد إرضاء المسيح وحده في أفكاره وعواطفه ورغباته. كان يسوع بالنسبة له حياته، سماءه، حاضره، مستقبله، وعبادة القربان وحدها كانت تشبع جوعه. لم يستطع التوقف عن التفكير بيسوع والشوق اليه والتحدث عنه. فكلماته عنه ألسنة نار ملتهبة تخرج من فمه وقلبه حتى إن طريقة لفظ إسم يسوع كانت ملفتة وكأن شفاهه تعكس كل محبة الله وتظهر عظاته تأثره بمحبة القديسين ليسوع وكان يسعى للإقتداء بهم : تريزيا الإفيلية كانت تقول: انتظر يوم الدينونة كي أكشف للعالم كم كنت تحبني يا الله. ويستشهد بالقديسة كاترينا السيانية بقولها : كم كنت اتمنى يا ربي أن أكون الحجر والارض حيث غرس صليبك، أية نعمة كنت اكتسبتها عندما اتقبل دمك المسفوك هناك إن الدموع التي كانت ترافق اعلانه هذه الاستشهادات تشرح مدى محبته ليسوع.

كان يقول : أعمل كل شيء تحت نظر الله ولأرضيه، هيا يا نفسي كي نتحاور مع الله، ونعمل معه، ونمشي معه، ونناضل من أجله. أنت تعملين وهو يبارك عملك، تسيرين وهو يبارك خطواتك، تتألمين وهو يبارك دموعك، كم هو كبير وشريف ومعزٍ أن نعمل كل شيء برفقة الله وتحت انظاره، مفكرين أنه يرى كل شيء ويحب كل شيء. لنردد كل صباح أعمل كل شيء لإرضائك يا الهي، كم هي طيبة  فكرة حضور الرب فلا نتعب من مرور الساعات برفقته، إنه تذوق مسبق للسماء، ما أطيب الحياة وما أطيب الموت عندما نعيش في محبة الله متحدين به سالكين في حضرته وله.
 سألوه يوماً ماذا ينبغي أن نعمل لنصل الى الله ؟ أجابهم : إنطلق تجاهه بخط مستقيم كصاروخ أو سهم.
-    عشق خوري آرس للقربان دفعه لإختراع ألفاظ وتعابير جديدة جسدت عمق محبته وإحترامه له، فسمى المناولة حمام محبة وكان يقول عند المناولة تتمرغ النفس كما النحلة على أريج ورحيق الزهور.
-    موضوعه المفضل الحديث عن القربان يعبر عنه بسمات وجهه بصوت تخنقه الدموع والحشرجات.

أجمل ما في الوجود هو عبادة قلب يسوع المطعون بحربة لأنه عندما طعن لم ينضح منه الا المحبة.

أسئلة للتفكير:
-    ما هي نوعية العلاقة التي تربطك بيسوع ؟ أهي علاقة حب أم خوف ؟
-    هل تتوق لتراه أم تخشى لحظة اللقاء به ؟
-    هل يستحوذ حب يسوع على كامل عقلك ونفسك وقلبك وإرادتك ؟
-    هل تعمل كل شيء محبة به؟ وهل تعي حضوره من خلالك وأنه يبني ملكوته بيديك؟
-    هل أنت مرهق ومتعب وبدأ السأم يصيب همتك وإندفاعك الرسولي وخدمتك الرعوية؟
-    هل بدأت تتذوق طعم السماء المختبئ في لذة التعب والكفاح والجهاد الرسولي أم انك منهار وبدأت تواجهك تجربة ترك المحراث والإلتفات الى الخلف؟

غيرة خوري آرس على خلاص النفوس :

في وقت يغار الناس من بعضهم ومن مواهب الاخرين، يغارون على المراكز ويبحثون عن حب الظهور. كان هم خوري آرس الوحيد خلاص النفوس. وكم كان يتألم لضياعها، وكان يردد دائماً كم هو صعب أن تضيع النفوس للأبد هي التي كلفت الرب آلاماً مبرحة. وكان يطلب من الناس أن يصلوا لأجل خلاص النفوس قائلاً : إن الصلاة لأجلهم هي أجمل وأنفع صلاة تفرح قلب الرب لأن الصالحين هم على طريق السماء والنفوس المطهرية هي متأكدة من دخولها السماء يوماً، أما الخطأة الضعفاء فهم بعيدون عنها. صلوا أبانا وسلام على نيتهم لأن ذلك قد يرجح كفة ميزان الرحمة الإلهية.
يجب يجب علينا أن نقدم لأجل توبتهم ذواتنا ذبيحة وأن نكرس لأجل ذلك تساعيات ونسمعه يقول لأحد الكهنة الذي جاء يتشكى من عدم إرتداد أبناء رعيته : " هل تنهدت وعانيت، هل صمت وصليت وجلدت نفسك وسهرت الليالي أمام القربان لأجلهم؟ فإنك إن لم تفعل مثل ذلك فلا أظن أنك ستفعل شيئاً لأجلهم".
كان خوري آرس موقناً أن سعادة القديسين في السماء هي رؤية الله سعيداً بتوبة الخطأة ويذكرنا ذلك بيسوع عندما تحدث عن فرح السماء بتوبة الخطأة بقوله : " هكذا تفرح الملائكة في السماء بخاطىء واحد يتوب " . وسأله أحد المرسلين : إذا خيِّرت بين الصعود حالاً الى السماء وبين البقاء على الارض تعمل لتوبة الخاطئين فماذا تختار ؟ أجابه : حتماً أختار البقاء على الارض. أجابه المرسل : هل يُعقل هذا والقديسين وصلوا الى السماء حيث لا ألم ولا تجارب ولا صعوبات. أجابه خوري آرس بابتسامة ملائكية : صحيح ولكن إذا كان هذا وضع القديسين فهم ذو دخل محدود لانهم ليسوا مثلنا يمجدون الله بالألم والعمل والإماتات لخلاص النفوس.
أجابه المرسل : أتبقى على الأرض في حالة الالم الرسولي هذه حتى نهاية العالم؟ أجابه بكل تأكيد . أجابه المرسل : أمامك وقت كثير إذا : ستقوم بالصباح الباكر ... أجابه : سأقوم ليلاً، لا هم عندي فأنا سأكون عندها أسعد انسان لانه هكذا سأمثل امام محكمة الله  وهنا أجهش خوري آرس بالبكاء. كان خوري آرس يحمل هم وحزن على ابتعاد النفوس عن الله وعزاءه الوحيد كان تلك النفوس التائبة والمؤمنة ولو كانت قليلة.

-  أسئلة للتأمل :
- هل تشعر بمسؤولية تجاه خلاص النفوس ؟ هل تصلي دورياً لاجلهم ؟
-  هل أنت مستعد لتحمل الآلام والإماتات لاجل خلاصهم؟
-  كيف تواجه خطيئة أبناء رعيتك عندما يخطئون بحقك؟
-  هل تطمع لعيش خدمتك الكهنوتية بدون ألم وصعوبات أم أنك تعلم أن الصعوبات والآلام هي من صلب دعوتك وهي الأداة الأقوى التي يستفيد منها الله لخلاص النفوس وتقديس نفسك؟
-  هل هدفك أن تصل الى السعادة في السماء أم تؤمن أن السعادة هي نتيجة هدف خدمتك الكهنوتية وهو خلاص النفوس؟
-    أمام الرفض والعداء اللذين قد يواجهان رسالتك ، ما هي اولى ردات فعلك تجاه الذين يناصبوك العداء ؟ هل تحافظ على أبوتك معهم وأنك مدعو عبرى هذه الآلام لتتمخض في ولادتهم ولذلك انت تدعى ابونا ؟
-    هل تغامر لخلاصهم؟

-  محبة خوري آرس للفقراء
بعد محبته للخاطئين كان خوري آرس يحمل هم الفقراء، أحبهم لأن الرب احبهم. وكان يرى فيهم وجه يسوع الفقير. يتألم لأنهم محرومون من خيرات الأرض لذلك هم بأمس الحاجة للإحاطة والعناية والاهتمام والتكريم والتعزية. كان يقول دائماً : ما أسعدنا لأن الفقراء يطلبون منا المساعدة والمحبة ولو لم يأتوا لكان يجب علينا نحن أن نبحث عنهم ولكن ينقصنا لذلك الوقت.
كان خوري آرس يفضل العمل لاجل الفقراء بالخفاء. وكان ينتقد الذين يقدمون المساعدة بهدف أن براهم ويمجدهم ويقدرهم الناس. هناك البعض يتشكون من عدم الثناء عليهم بسبب عطاءاتهم. فلهم يقول : إذا كنتم تعملون للناس من الطبيعي أن تطلبوا منهم اجركم ولكن إذا كنتم تعملون لله ما هم لو لم تنالوا الشكران لان الله وحده يكافئكم. عندما تقدم مساعدة يجب أن تفكر إنك تخدم يسوع لا الفقراء، وروى هذه الحادثة : كان القديس يوحنا الله يغسل اقدام الفقراء قبل اطعامهم فاكتشف وهو يغسل أرجل احدهم انهما مثقوبتين فرفع عينيه مندهشاً فرأى يسوع (هنا بدأ الخوري آرس بالبكاء). فقال له الرب : يا جان أنا مبسوط لانك تهتم بفقرائي.
كان خوري آرس لا يرد طلب أحدٍ من سائليه  وكان يقول : لا تقولوا لفقير أنت لا تزال شاباً إذهب واعمل لا تكن كسولاً فصحتك جيدة. فما أدراك أن يكون الله قد ارسله اليك لذلك لا يجب انتقادهم أو رفضهم أبداً. فاذا لم يكن بقدرتك مساعدتهم صلي الى الله كي يلهم من بمقدوره مساعدتهم.
ويقول: قد تنتقد من تساعدهم على سؤ تصرفهم بالمساعدة. الرب سيدينه على هذا السؤ أما أنت فسيدينك على المساعدة التي كان بامكانك تقديمها ولم تفعل واحتقارهم احتقار للرب نفسه.

أسئلة للتأمل:
-    هل تتألم لآلام الآخرين ؟
-    هل أنت صاحب شعور مرهف يدفعك لتنسى ذاتك أمام بؤس الآخرين.
-    هل تشعر بالخوف من العوز وتحيا عيشة بحبوحة وإسراف ؟ أم صرت في رعيتك علامة لتجردك وعطائك وأنت تشهد بتعاليك فوق الهم المادي والمعيشي أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله ؟

- أسلوب خوري آرس وشخصيته من خلال اداء مواعظه

غالباً ما يلحظ ويراقب الناس مدى تأثرنا وتفاعلنا مع ما نقوله ونعظه، دون ان ننتبه لهذا الأمر. ويحكمون على مصداقيتنا من خلال ذلك .  كان الخوري آرس يعظ بعفوية بنور فطري، بنعمة الهية ثابتة وشفافة، سامية وعميقة ومبدعة. عظته كلها حركة وعذوبة وحيوية كما يقول الانجيل " من فيض القلب يتكام اللسان". كان يظهر في عظاته كأنه مرسل ونبي ملهم وقديس استنفد قواه لخلاص النفوس. عظته خليط من الحس المرهف والحماسة، من ايمان حي وملتهب. حماسته العاصفة في أعلى ذروتها تؤثر وتحرك الى أقصى درجات حس مستمعيه. فنرى تبدلات القلوب تنطلق من أقدام منبر الوعظ الى كرسي التوبة. نظرته وشكله الخارجي وتجاعيد وجهه الذي أضنته الإماتات والتقشفات كانت ذات جاذبية الهية تبدد كل الشكوك.فطرته في اداء وعظه المعيوش كانت تعكس جمال الانجيل وتوقد نار التقدير في سامعيه كم أوقفته دموع الفرح والحزن على بعض الناس من إكمال عظته اشتهر في تقييم أحداث الحياة فانطبعت خطبه بالوان الاحداث المعاشة عاكسة افراح واحزان نفسه امامها . وكانت توحي له هذه الاحداث عظاته، مثلاً سنة ١٨٤٩ نفي البابا عن روما فظهر يسوع باكياً على مناديل فيرونيكا بصورة واضحة وكان يسألهم أين هو ابني وأبيكم وبحسب خوري آرس كانت هذه الاعجوبة علامة تؤكد أولوية أسقف روما وضرورة الصلاة لأجله.

وورد اليه يوماً خبر تكسير الصلبان في بعض اماكن من فرنسا فقال بعظته بامتعاض : لو كسروا الصلبان لن يستطيعوا عند مجيء يسوع بمجده العظيم انتزاع صليبه منهز فالصليب أقوى منه. وبعد ثلاث سنوات ضرب داء الكوليرا مرسيليا وباريس وهدد ليون فصرح الخوري آرس  ان الله يكنس العالم، قال ذلك بطريقة أثرت في ارتداد احد الفنانين الكبار.

لقد ضاهى اباء الكنيسة بفضل هذا النمط في الوعظ بالرغم من أنه كان عاجزاً عن تحصيل العلوم اللاهوتية في الاكليريكية وكأني بيسوع يغتبط قائلاً : " أحمدك يا أبت لأنك أخفيت هذه عن الحكماء وأظهرتها للأطفال."
إيمان خوري آرس هو كل علمه. لم يفتش عن الحكمة خارج يسوع المسيح لأن كل الحكمة تنبع من التأمل أمام المصلوب (لاهوت الركوع ) وأمام القربان. عظاته تنضح يسوع وخبرته معه. سموه خطيب العيون وصمته كان مبشراً. فلدى رؤية الناس وجهه الضعيف وعظامه النافرة وصوته الرفيع الثاقب كانوا يشعرون وكأن أحد الانبياء الأقدمين يكلمهم، فكانوا يمتلئون من الاحترام له والجهوزية فتثمر كلماته في حياتهم.
قبل بدأ العظة كان يجول نظره في سامعيه، هذا التحديق يحضر للكلمة. عنده نظرة ثاقبة أهلته للدخول الى عمق من يحدق به.

لغته : لغة الفلاحين قبلتها كل فرنسا (مثقفين، ملحدين، بسطاء)  حولت حياتهم الى الله. يقول أحدهم : " عندما نسمع أحد الوعاظ تدفعنا كلماته لنحكم عليه، اما كلمات خوري آرس فكانت تجبرنا على ادانة أنفسنا رغم طبعه الخجول والوديع كان عندما يعظ يشعرك بقوة عجيبة تخرج منه وتساعده على عدم الخوف أمام حضور قد يكون من الطبقات المثقفة والراقية والناقدة.

الذي كان يقوي خطبه فكرة الحجاج عن قداسته . يقول القديس إيزودور : " أول صفة لانسان مدعو لشرف تعليم الآخرين هو ان يكون قديساً ولا مأخذ عليه". يجب ان يكون بعيداً عن الخطيئة من أعطي رسالة ابعاد الناس عنها يجب ان يكون هو مثالاُ في الكمال من اراد ان يقود الآخرين اليه، فضيلته تشع الحقيقة".

عندما كان الخوري آرس يتكلم عن الفقر والتجرد والتواضع كان يدعو الآخرين الى عيش ما هو شاهد له، أي كانت تخرج من فمه خبرة قلبه. كان لدى نوال التهنئة على عظاته يقر بجهله وكان يقترف قصداً أخطاءً لغوية في عظاته كي يزداد تواضعاً. وباختصار كلماته سهام تدخل القلب، تناغم بين العمق والبساطة والعفوية في آن. (السهل الممتنع).

-    الطبيعة: كان الخوري آرس يستوحي تعاليمه مثل المعلم من حب الطبيعة كونه اختبر الحياة الزراعية وكونه شاعر في العمق مرهف الشعور. بعض أقواله :
-    " يخرج من النفس التي يستقر فيها الروح القدس رائحة الكرمة المزهرة . – النفس النقية هي وردة جميلة ينزل الاقانيم الثلاثة من السماء كي يتنشقوا أريجها.
-    كان خوري آرس من مدرسة التأمليين في الطبيعة. وكان يرى فيها تجلي عظمة الجمال الالهي من خلال جمال مخلوقاته وكأن الطبيعة هي اخت له لأنها تشبه الله على طريقتها. نظر في الطبيعة لا كجمالات زائلة ولكن رأى فيها التناغم المقدس الذي يجمع بين المادة والروح.
باختصار كما ان الطبيعة كانت مدرسة تزيد ايمانه كذلك في مجالات التاريخ وتعاقب الاحداث عرف كيف يقرأها قراءة نبوية ويستخرج منها امثولات لحياته الحاضرة. وكان ايضاً يعرف كيف يستشهد بفضائل الآخرين دون أن يجرح تواضعهم وكان يرى في هؤلاء الناس شفعاء يعملون بصمت واحتجاب لخلاص العالم. مثلاً : إحدى القتيات قدمت إماتات كثيرة لأنها ارادت الاشتراك مع يسوع في فداء الجماعة. وذلك الفرح الذي كان يتأمل أمام القربان بصمت وعندما سأله خوري آرس ماذا تقول وتعمل أثناء السجود فقال له : أكتفي بالتأمل به وأتركه يتأمل فيّ (أحياناً نتعلم من أبناء رعايانا أكثر مما نعلمهم).

كيف كان يتكلم خوري آرس عن القديسين:

القداسة هي دعوتنا جميعاً والقديسين أناس مثلنا عاشوا ببطولة الفضائل الالهية. ونحن  نحيا في عالم معاصر يقدس المال والشهرة والسلطة والقوة الخ ... أمام جاذبية هذه المغريات هل لا يزال القديسون مثالاً لنا وقدوة ؟ وهل ما زلنا نؤمن بأهمية شهادة حياتهم وتأثيرها على شباب اليوم ؟ من خلال مواعظنا وتعاليمنا ؟
إن ذكر القديسين كان كافياً لتدمع عيني خوري آرس. كان يتكلم عنهم بحب عجيب، فاسلوبه الشعري  وطريقته المسرحية وتعابير وجهه ومعرفته لتفاصيل حياتهم تشعرك بأنه عاشرهم وكأنه يعيش معهم  في صداقة حميمة وأخوة، لا بل هو متحد بهم. فمآثرهم تغوي قلبه، وتحرك أحشاءه حتى البكاء. اسلوبه ومحبته لهم وتأثره أمامهم كان يساعده ويدعم غايته في تحطيم كبرياء عقل ومنطق مستمعيه وتشكيك المشككين. فبينما كان يبحث البعض في أيامه، كما في ايامنا، عن الغاء كل ما هو خارق للطبيعة في سير القديسين ومعجزاتهم، كان هو على العكس من ذلك يظهر هذه الخوارق بروح طفولية وايمان مطلق قائلاً : لا نغيبن الشمس كي لا ينزعج البوم. إننا بالايمان نسيطر على قدرة وارادة الله ولا يرفض لنا شيئاً. إن قصص وبطولات وعجائب القديسين هي بالنسبة له علامات حضور الله في حياتهم يؤكد ذلك خوري آرس ببسمته الملائكية وبساطته الانجيلية المفقودة اليوم عند اهل العلم.



خوري آرس الكلمنجي

تميّز القديسون بروح  الفكاهة وكذلك خوري آرس وذلك ينبع من فرح الروح الداخلي الذي يطبع حياتهم ويشعونه ليشركوا الآخرين فيه أو ليخففوا من آلامهم دافعين بهم الى التقدم ساعين الى الأفضل. والشاهد على ذلك بعض من أقواله ومواقفه التي تكشف سرعة بداهته وظرف روحه :
-    قدمت له طفلة باقة زهور فعلق قائلاً جميلة هي لكن روحك احلى.
-    بعد تطواف طويل قدموا له مرطب لكي يرتاح بعد كل هذا العناء. أأتعب وانا احمل الذي يحملني؟!
-    في يوم طوفان أقفل الحجاج الباب عليه وبقي في الخارج مبللاً كلياً . ولما علموا بما جرى بدأوا بالاعتذار فقال لهم : لا بأس إطمئنوا لست من سكر لأذوب.
-    رأى صورته يوماً وهو يرتدي ال (camail) إدثار الكتفين وصليب الشرف، فقال معلقاً لكي تكتمل الصورة إكتبوا تحتها : باطل، كبرياء، عدم.
-    مدحه الناس يوماً على مركزه الإجتماعي فقال : أنا رئيس كهنة بفضل صاحب السيادة وحصلت على صليب الشرف بخطأ من الحكومة، وراعي حمار وثلاث خواريف بإرادة أبي ...
-    راهبة مدعية بنفسها، تركت راهبات المحبة، وكانت بحوار مع كاهن قادم من اورشليم وقد نصحها أن تذهب الى الشرق حيث توظف قواها وحماستها في خدمة البشارة. فعلق الخوري آرس مستمعاً، وله علم بعدم إستقرارها ألرسلها الى السماء لنضمن عدم عودتها .
-    استشار صاحب ميتم خوري آرس عن اهمية الإستفادة من مساعدات عن يد وسائل الإعلام فأجابه : بدل أن تقرع باب الصحافة والإعلام إقرع باب بيت القربان.
-    قال له أحدهم وكان بصحة جيدة إني أتكل عليك لترفعني الى السماء وأنا واثق بأنك لا تنسى أصحابك، وأنا سأسعى للتعلق بطرف غنبازك. فأجابه : ربما لا تستطيع الدخول وباب السماء ضيق بسبب عرض أكتافك.
-    طلب أحدهم ذخيرة من ثيابه فأجابه كن انت ذخيرة.
-    إحدى فتيات رعيته التقيات والناشطات وحالتها لا ثبات فيها، كما الرسل قبل العنصرة، جاءت تقدم له النصائح : أبتي هذا العمل خطأ وعليك أن تعمل كذلك ... فأجابها بابتسامة لسنا في انكلترا ليكون الحكم للنساء.
-    أخبره الأخ أثناسيوس مدير مدرسة آرس أن حصانه أوقعه في حفرة وبعد الإطمئنان عن صحته أجابه ضاحكاً : مار أنطونيوس لم يقع يوماً عن حصانه فافتدى به . فسأله ماذا عمل لكي لا يقع أبداً . أجابه : كان يذهب مشياً على الأقدام.

خاتمة:
رغم كل الأتعاب والآلام الجسدية وعمر الشيخوخة ومعاناته الرسولية لخلاص النفوس، بقي خوري آرس بفرح دائم وبهجة سماوية ورقة شعور وطيبة عجزت عن محوها كل الآلام . غالباً ما تقود الشيخوخة صاحبها الى الصمت وإمحاء بهاء الالوان. ولكن خوري آرس بقي في صفاء فكره حتى صدق فيه قول إحدى السيدات : " إن آخر أفكار قلب مملوء من محبة الله تشبه آخر شعاعات الشمس التي تزداد بهاء قبل أن تختفي".

يدعونا الخوري آرس الذي عاش بالروح القدس صداقة يسوع ومحبته وجسَّد إنسانية الرب في قلب واقعه التاريخي والزمني لندرك أن الكمال هو دعوتنا جميعاً وبأنه بإمكاننا عيش الانجيل في عالم لم يتغير تتصارع فيه السلطة والشهوات والمال ويحتاج الى شهود أكثر منه الى معلمين.

واقعنا يشبه واقع كل القديسين الذين عاشوا في زمن معين ظروفه هي هي من عنف يسجلها التاريخ الزمني فلا يغيب عن بالنا أن الله يحقق تاريخ خلاصه في مسيرة الزمن البشري موجهاً دعوته وعلاماته في الأشخاص والأحداث والطبيعة في أضعف الضعفاء. فلنصغ إليه يكلمنا ويدعونا فيصبح كلامه نوراً وحياة نسلكها.

نعم شعبنا يئس من السياسة وصراعاتها ومن عنف الأسلحة هو بنفسه يوجه أنظاره إلينا ويفتش عن مساعدتنا ويلتجىء الينا. فلا نجلس على كرسي موسى بل فلنغامر منحدرين اليه في حاجاته لنرفعه صوب الله ونساعده بمثلنا على تحويل آلامه الى طاقة حب كما يحوّل هو القمح الى خبز ويحوّل يسوع الخبز الى جسده فتتحول بإتحادنا فيه حياتنا لتشبه حياته هو الذي قال جعلت لكم من نفسي قدوة.