الصفحة الرئيسية  

بحث



الصوم  طريق إلى العدالة
(من وحي أشعيا ٥٨ ورسالة قداسة البابا في زمن الصوم)

يحتلّ مفهوم العدالة اليوم مساحة بارزة في الفكر بشكل عام والفكر السياسي بشكل خاص، إذ لا مجال لقيام دولة حديثة خارج مفهومي العدالة والمساواة. والعدالة تأخذ هذه المكانة في الجدل السياسي لأنها لم تعد من مستوى الفضائل وحسب، التي على الحاكم أن يتحلى بها على مستوى السلوك الشخصي وتجاه محكوميه، بل احتلت مكانها الحاسم في قلب الأفكار المعيارية الموجهة للحكم بكل مفاصله.    
لكن هناك من يعتبر أن نظرية العدالة من الوجهة المعيارية لا تزال تدور في فلك الخير ولم تبلغ بعد مستوى الشيء العادل، وذلك بحصر العدالة على مستوى الإنصاف (Fairness) والتساوي في الحظوظ والتوزيع العادل للخيرات أو التوزيع بحسب النسب العائدة إلى معنيين بها. وهذه العملية تعتبر عينية بحت لأنها لا ترقى إلى نظرة أخلاقية في العدالة. والمشكلة تعود في الأساس إلى تحديد الخير: هل هو خير أدبي كما عند كانط؟ أم خير استراتيجي كما عند هوبس؟ أم أنه خير بالمعنى الليبرالي، أي طريقة الحياة الناجحة؟
في هذا الإطار جاءت رسالة البابا بندكتوس السادس عشر في بداية زمن الصوم هذه السنة، محاولة قراءة مشكلة العدالة في عالم اليوم انطلاقاً من الفصل الحاصل بين الخير والشيء العادل. والملفت أن البابا  رفع مفهوم الصوم إلى مستوى طريق إلى العدالة.
فهو يعتبر أن مفهوم العدالة المتداول منذ أولبيان (Ulpian) المشرّع الروماني في القرن الثالث الذي يحدّد "بإعطاء المرء ما هو له"، يخلق مشكلة تعود إلى مسألتين أساسيتين هما: الأساس الذي في ضوئه يحدّد ما هو للمرء ومن هو المخول بالقيام بهذا الأمر. يرى البابا في هاتين المسألتين السبب الرئيسي للاعدالة في العالم، إذ من يمكنه مثلاً أن يفسر لنا ما الذي يحق للقسم الجائع من سكان العالم، حتى يبقى في الفقر المدقع، ومن الذي يحكم بأن ما يحصل عليه هذا القسم هو عادل حقاًَ؟
ويعيد البابا الخلل في ذلك إلى أن الإشكالية الأساسية عائدة إلى أن العدالة من جهة لا يمكن أن تحصر بالشيء المعطى فقط، بل عليها أن تتعداه إلى الشيء الذي يحق للآخر لتكون كرامته مصانة. وهنا نجد اختلافاً كبيراً بين أن ننطلق من حال الآخر والأوضاع التي يوجد فيها وقدراته حتى نعالجها على مستوى توزيع خيّر يخضع لمقاييس محدّدة، وبين مصدر اللاعدالة الكامن في بعض الأحيان لدى من هم السبب في حال اللاعدالة التي يوجد فيها الآخرون. والفرق واضح بين أن أتعامل مع أوضاع اللاعدالة على مستوى آليات العدالة وبين موجبات العدالة، وبين نظرة استراتيجية أو نظرة تبنى على أساس فرص النجاح، تأخذ في الحسبان الناحية التنافسية، وبين قاعدة أخلاقية تكون في أساس فعل العدالة تطال عمق البنى غير العادلة.
وهذا الاختلاف مردّه إلى أن عالم اليوم لا يطرح المسألة على هذا المستوى لسبب واضح هو أنه لا يرى الشر إلا من ضمن إطار موضوعي ناجم عن خلل في آلية العمل أو البنية الموضوعية لأمور محدّدة، ويصرف النظر عن الموضوع الأخلاقي الذي يعتبر سبباً رئيسياً في حالات اللاعدالة.
فالبحث في موضوع العدالة لا يمكن طرحه خارج الإطار الأخلاقي في البحث عما في الانسان من ميول نحو اللاعدالة، وهو أمر يؤكده التاريخ، ولو رفض العالم الخوض فيه ، لا بل إن التاريخ هو المسرح الطبيعي لا بل المحكمة العادلة في الحكم على اللاعدالة التي يمارسها الانسان. لهذا يرى البابا أن البحث عن اللاعدالة خارجاً عن الإنسان، هو الزيف الحقيقي لما يبرهنه التاريخ. وينطبق على هذه الحال كلام المسيح في جوابه على الفريسيين بأنه "من الداخل، من قلوب الناس، تخرج الأفكار الشريرة: الفسق والسرقة والقتل والحسد والنميمة والكبرياء..." (مر٧/ ٢١-٢٢). ومن الواضح في كلام يسوع أن الأفكار هي مصدر الأفكار. وهذا يعني أن تفسير اللاعدالة بربطها بالظروف والأوضاع الخارجية فقط هو شيء ساذج ومنقوص في نظر يسوع، بحسب تفسير البابا.
في الحقيقة إن المعادلة التي يقدمها يسوع هي من جهة مربكة، إذ ينجح الإنسان في الكثير من الأوقات في اللجوء إلى تبرير خارجي لفعل غير عادل، بدل أن يقرّ بالتوجه الداخلي الذي دفعه إلى هذا الفعل، ومن جهة أخرى يحتوي كلام يسوع تحدّياً، فما دامت الثقافة المعاصرة تقوم في الأساس على خلقية الصدقية، وهي تحقيق الإنسان لذاته بأن يكون شفّافاً مع خيراته في الحياة، فاللاعدالة ستكون عندها خياراً من خيارات البشر.  
أما الخروج من هذا التناقض، فيضعه البابا في خانة الجهد لاكتساب تربية على العدالة. وهو يعتبر أن للدين دوراً مهمّاً في هذا المجال، لأن الدين طور عبر التاريخ أطراً تحاكي السعي البشري في أن يتطابق الوجه النظري مع الوجه العملي لديه. وفي موضوع العدالة يظهر البابا أن  التقليد الكتابي توصل إلى حكمة تربط ما بين تربية الذات على العدالة وتربية الإرادة على الفعل العادل، من خلال "الصدقة"، التي تعبّر في آن عن تطابق الإرادة مع إرادة الله وعن التوجه المتضامن نحو الآخر من دون تحفّظ أو تلكوء. والصدقة هي تربية وقيمة أخلاقية على السواء، قبل أن تأخذ شكل مؤسسة خاضعة لنظم محدّدة، لأن الصدقة تتعارض في الأصل مع المؤسسة، لأنها حركة نقد تنطلق من تماثل إرادة الإنسان مع إرادة الله الرافضة لأي مظهر من مظاهر اللاعدالة، وهذا الرفض لا يبقى حركة شعورية بل يتحول إلى فعل.
والإطار الحقيقي الذي يخصّصه الدين لعيش هذه الحكمة هو في الصوم، باعتباره زمناً خاصاً ومكثفا، جوهره الطريق إلى العدالة من خلال ممارسة الصدقة. فالصوم ليس إذاً مجرد "فريضة دينية"، وإن مورس في الكثير من الأوقات على هذا النحو، بل هو تربية الإرادة على التوحد بإرادة الله، أو بعبارات بولس الرسول هو زمن اكتساب ما في المسيح من أفكار وعواطف تحضنا على الخروج نحو الآخر.
إن توجه الإرادة نحو العدالة له في زمن الصوم علامات ظاهرة هي الإنقطاع عن الطعام،  لا لمجرد الانقطاع أو لأنه وجوب. فالانقطاع هو وقفة، أي تحول من حال إلى أخرى. والوقفة تعني نهاية شيء وبداية شيء آخر، إذاً هي تحول نوعي. من هنا الصوم وقفة بمعنى أنه لا بد من أن ينتهي إلى تحول يبدأ بالعودة إلى الذات لفهم النقص الذي يمنع تطابق الإرادة مع إرادة الله. إن العودة الجذرية  إلى الذات هي التي تشق الطريق إلى خارج الذات، لأنها كشف عن نقص وجودي يتشارك فيه الناس. واكتشاف النقص بهذا الشكل العميق يؤسس إلإرادة على الخير، لأن النقص سيحدث التحول الكبير نحو إرادة الله، التي تؤسس الإرادة نحو الخير، إذ لا يمكن لإرادة أن ترضى النقص ما دام هناك طريق تساعدها في إكمال نقصها. وفي الوقت نفسه إن تأسيس الإرادة على الخير يفتح طريق التضامن مع الآخرين، لا على أساس الشفقة بل على أساس رفض لحال النقص الموجود فيها الآخر. هكذا يتحول اختبار النقص طريقاً نحو الملء، وفي إطار موضوعنا يتجسد السعي نحو الملء في تبدل عميق في التفكير بالعدالة والعمل لها.   
هذا التوجه في فهم الصوم يدافع عنه أشعيا النبي في الفصل ٥٨ من كتابه، حيث يسأل الله شعبه : "أهكذا يكون صوم أردته يوماً واحداً يتضع فيه الانسان؟" والسؤال على علاقة بمعنى الصوم ببعديه: "التوجه العميق نحو الداخل" و"الخروج غير المشروط نحو الآخر"، إذ إن السؤال أتى نتيجة بحث الجماعة عن سبب إخفاقها في "معرفة طريق الله" و"التقرب إليه". فيجيب أشعيا بأن لا معرفة لطريق الرب خارج عمل العدل والحفاظ على الوصايا ولا تقرب إلى الله من دون أحكام عادلة. فالتقرب إلى الله يكون بتوجه الإرادة بحسب ما يفكّر الله أو ما يحكم به، والطريق إلى الرب يشترط العمل بحسب هذه الإرادة، أي الامتناع عن كل ما يسيء إلى الآخر والسلوك بحسب ما هو عادل.
ويرى أشعيا أن لا مجال للقيام بهذا خارج حركتين تحدثان انقلاباً جذرياً في الذات، الأولى هي الاقتناع بأن الأمر الإلهي ليس خياراً بل واجباً يضع على الطريق المؤدية إلى سلوك يتناغم ومشروع الله (خر٢٠/ ١٢-١٧)، والثانية هي التذكر بحسب تثنية الاشتراع :" أحبوا الغريب لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر" (١٠/ ١٩). والمعنى البارز هنا هو أن لا مجال لبلوغ الطريق المؤدية إلى الله من دون سلوك عادل، لا يتم إلا بالتقيد بالأمر الإلهي لا لأنه أمر بل لأنه في الفهم اليهودي، وهذا معنى كلمة شريعة، الطريق التي تقود إلى السعادة، والسعادة هي بأن يسمع إسرائيل صوت الله، وهذه هي الوصية الأساس. وهذا يقترن بالتذكر، لأن من تذكر أنه كان مظلوماً، ولا احد على الإطلاق إلا واختبر الظلم بشكل من الأشكال أو تعرض لفعل غير عادل، أحدث فيه ذلك شعوراً وقناعة بأن عليه أن يسلك بالعدل تجاه كل مظلوم.
هذه المنهجية التربوية لا يقاربها أشعيا من وجهة نظرية بل من وجهة عمليّة، حين يقارن بين صوم يريده الإنسان وصوم يريده الله. فهو يذكّر الجماعة بأن يوم الصوم عندها هو امتناع عن الطعام لا عن عمل الظلم، والأعمال المشينة، ولا عن الملذات والمشاجرة والخصومة وتسخير الآخرين. في المقابل إن الصوم الذي يريده الله، هو عمل عدالة وحكم عادل، لأن العمل العادل يخرج من ذات عادلة، إذا أردنا أن نعود إلى كلام المسيح أن الشيء النجس يخرج من جوف الإنسان، والشيء الخيّر من باطن الإنسان.
ما يرضي الله إذاً، بحسب أشعيا، هو أن يكون الصوم زمناً تحلّ فيه قيود الظلم ويفرش فيه الخبز للجائع ولا يهرب من مساعدة القريب. وهذا له نتائج واضحة على مستوى الذات وخارجها، فمن يصوم على هذا النحو تكون نفسه "مبتهجة بالله" و"يشرق نوره على الآخرين"
الخوري باسم الراعي