الصفحة الرئيسية  

بحث



الكهنوت العام - كهنوت الخدمة - الأب جوزيف عبد الساتر

إنّ الكنيسة، يقول المجمع الفاتيكاني الثاني، لا توطّد حقاً ولا تحيا تماماً ولا تكون بين الناس علامة كاملة عن المسيح إن لم يكن هناك علمانيون، بكلّ معنى الكلمة، يعملون مع السلطة الرئاسيّة. فلا يمكن للإنجيل أن يترسخ بعمق، في عقل أي شعب كان وفي حياته وعمله، بمعزل عن حضور العلمانيين الفعّال (نشاط الكنيسة الارسالي ٢١).

لا تتوقف بذلك دعوة العلمانيين المسيحيّة على الاهتمام بالمدينة الأرضية، إنّهم في الكنيسة أعضاء يتحمّلون ويحملون رسالة خاصة في عمل الكنيسة وخدمة الإنجيل، “أصبح العلمانيون، الرسالة التي لكلّ الشعب المسيحيّ في الكنيسة والعالم. ويعود للعلمانيين، بفضل دعوتهم الذاتية، بأن يطلبوا ملكوت الله بينما يتعاطون الأشياء الزمنيّة ويوجّهونها وفقاً لإرادة الله، إنهم يعيشون وسط العالم، أي يقومون بجميع أعماله، ويدعوهم الله ليعملوا كالخمير على تقديس العالم من الداخل، وذلك بقيامهم بوظائفهم الخاصة بوحي روح الانجيل، ولكي يظهروا المسيح للآخرين بشهادة سيرتهم، قبل كلّ شيء، وبما يشعّ فيهم من إيمان ورجاء ومحبّة. وإليهم يعود، بنوع خاص، أن يديروا كلّ الأمور الزمنيّة ويوجهوها، هذه الأمور التي هم بها مرتبطون ارتباطاً وثيقاً، بنوع أنّها تتمّ وتزدهر دوما كما يريد المسيح، وتكون لمجد الخالق والفادي (دستور عقائدي في الكنيسة، ٣١).

يمكننا أيضاً أن نطيل الكلام ونقرأ في ذات الدستور، الاعداد ٣٣ و٣٤ و٣٥ و٣٦، حيث نرى بماذا تقوم خدمة العلمانيين في الحياة، بالنسبة للخلاص والرسالة، وبالنسبة الى اشتراكهم في الكهنوت العام والعبادة، وفي وظيفة المسيح النبوية وفي الشهادة وفي اشتراكهم بالخدمة الملوكية.

الكهنوت المشترك لجميع المسيحيين.

إنّ يسوع في حياته الكهنوتيّة، هو نموذج وصورة، ليس فقط عن الكاهن، بل أيضاً عن كلّ مسيحيّ. المجمع الفاتيكانيّ الثاني أراد أن يبيّن أن الكاهن الصالح عليه أن يكون أوّلاً مسيحياً صالحاً. ولا يفهم الكاهن إلاّ مع جميع المسيحيِّين الآخرين، ولا يمكنه أن ينفصل عنهم. كلّ الوجود المسيحيّ هو وجود كهنوتيّ تماماً كما أن الوجود الكهنوتي ينبغي أن يكون أوّلاً وأساساً وجوداً مسيحياً.

غير أنّ المشكلة تبدأ فقط تظهر – لأنّه ما هو الوجود المسيحي أو العيش المسيحي؟ ما معنى أن تكون مسيحيّاً - عملياً، لا يمكننا إعطاء جواب كامل ببضع كلمات. لقد كان يسوع قد اختصر الجوهريّ في أكبر الوصايا: “أحبب الربّ إلهك من كلّ قلبك، وفوقَ كلّ شيء، وأحبب قريبك مثل نفسك” (مرقس ١٢: ٢٩-٣١). هذه الوصية الأولى والأهمّ، تختصر الوصايا كلّها (روم ١٣: ٩). هي مرتبطة بالبشرى التي تقول: الله محبّة، وأنّه الأوّل الذي أحبّنا. يسوع، في الإنجيل الرابع، يستخلص لنا النتيجة التالية لخدمة الصداقة هذه: “أحبّوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم” (١٥: ١٢)؛ وأننا لواجدون الخلاصة ذاتها في رسالة يوحنا الأولى: “علينا نحن أيضاً أن نبذل حياتنا من أجل إخوتنا” (١يو ٣: ١٦).

غاية الوصية الأولى، هي أن يمتلكنا حبّ الله في يسوع المسيح، ويحوّلنا، كي نكون أصدقاء حقيقيين لله وللناس، وخدّام الفرح. في نشيد المحبة ينشد بولس طبيعة هذا الحبّ الذي هو أسمى من جميع المواهب النبويّة وأسمى أيضًا من المواهبية، فهذه جزئية وسوف تكون لها نهاية، أمّا المحبّة فتثبت إلى الأبد (١كور ١٣).

إنّ العيش المسيحي هو إذاً عيش يتخطّى ذاته ويظهر للعلن. وخلافاً للخطيئة التي تحبّ ذاتها، فالعيش المسيحي لا يبحث عن ذاته، ولكنّه يبحث عن الآخر. فليس فقط علاقته ولا محور ثقله هما في ذاته ولكن في الآخر وبخاصة في القريب: الله؛ يتخطّى أنانيته وينساها. حبٌ كهذا يطرد الخوف (١يو ٤: ١٨) ويستبدل الخوف، من العيش الذي يجمّدنا، بثقة دون حدود. يعرف أنه يختبئ في الله مهما كان نوعه. إذ لا شيء، لا الكآبة ولا الاضطهاد ولا الشقاء ولا الموت، يمكنه أن يفصلنا عن محبّة الله. (روم ٨: ٣٥-٣٩).

إتّباع يسوع يعني العيش في حركة ازدواجية: حبّ الله، وحبّ القريب. تكون قد جعلتَ نفسك صدى لفكر الآخر، إذا كنت جاهزًا للانسحاب، لتترك مكاناً للغير. هو أن تعتنق ثقل الآخر (غلا ٦: ٢). هذا يبدو، في البداية، ثقلاً فوق ثقل، لكنّ يسوع يعرف جيداً جدلية حبّ داخلية كهذه. بالنسبة إليه، “من فقد حياته ربحها” (مر ٨: ٣٥). نجد السعادة والفرح الأسمى، ليس بالتفتيش عن ذواتنا ولكن في إعطاء ذواتنا. نجد الفرح عندما نعطي الفرح. والعيش المسيحي أيضاً، هو أساساً العيش الكهنوتيّ. فلا يمكن أن يُفهم إذن كعيش له خلاصه الفردي، إنه بالأحرى اختبار رسولي موجود هنا من أجل الآخرين.

عند بولس الرسول، طبيعةُ العيش المسيحيّ مبنيّة على سرّ المعموديّة. ففي تعليمه عن المعموديّة، في ٦ إلى روما يشرح أن المعموديّة تعني الموت مع المسيح (روم ٦: ٣-٥). في موضع آخر يسمّي هذا، بالضبط، الحرية المسيحية. ويمكنه عندئذ أن يقول: "أن المسيح حرّرنا كي نبقى أحراراً". ولكنّه يعرف أن الحرية كلمة كبيرة لكنها أيضاً كلمة يمكنها أن تزجّك في الضلال. لهذا يضيف بولس هذا التنبيه “أنتم يا إخوتي قد دُعيتُم إلى الحرية فلا تجعلوا هذه الحرية خدمةً للجسد ولكن بالمحبّة اخدموا بعضكم بعضاً“ (غلا ٥: ١ و١٣ ؛ ١بط ٢: ١٦).

يصف بولس الحرية كذبيحة في المحبّة. إنها إذاً موقفُ الكاهن الأساسي. بولس يتكلّم عن تقديم حياته (فل ٢: ١٧). بالنسبة إليه "كلّ الجماعة ينبغي أن تكون قرباناً عذباً لله” (روم ١٥: ١٦). لاهوت كهذا، عن الذبيحة وعن عيشٍ كمحرقة، يبدو لنا غريبًا وخاليًا من الفرح. ولكن بولس لا يقصد هنا، أن المسيحي، الذي ليس فرحاً، يبدو له كأنه غير مسيحي، أومسيحي كئيب، بل هو مسيحي حزين. هذا الفرح يولد من غنى الله. ويحضّنا بولس على الفرح: “إفرحوا دائماً بالربّ، وأقول افرحوا” (فل ٤: ١٤ ؛ ٣: ١).

كلّ هذه الاثباتات، عن العيش المسيحي، هي ضروريةٌ لفهم ما تعبّر عنه رسالة بطرس الأولى عندما تتكلّم عن الشعب الكهنوتي، ككهنوت ملكي أو ملوكي (١بط ٢ و٥ و٩؛ رؤيا ١: ٦؛ ٥: ١٠؛ ٢٠: ٦). هذا المرجع يُعَدّ مرجعاً لعقيدة الكهنوت المشترك. علينا نحن المسيحيين جميعاً أن نقرأ إذن هذا النصّ بعلاقة مع العهد القديم (خر ١٩؛ اشعيا ٦١: ٩) والعهد الجديد. فلكي تتمكّن أن تكون كاهناً للآخرين، عليك في البداية أن تكون مسيحياً مع الآخرين، ومثل يوحنا، على صدر يسوع، تتعلّم بصداقتك ليسوع، أن تكون صديق الله والناس. صلةُ الصداقة والأخوّة هذه، والشركة مع المسيحيين الآخرين تجنّب الكاهن عزلة ضدّ الطبيعة، وتوارياً يصعب احتماله. بينما وجوده في الجماعة، وجوده في عائلة كبيرة، تغنيه بمختلف المواهب التي يجدها عند وصوله إلى الجماعة.

إن تكن كاهناً أو إن تكن مسيحياً، فحياتك لا تُفهم، ولا تُعاش، ولا تؤدّي شهادة إلاّ انطلاقاً من الصداقة الشخصيّة المُعاشة والمتجدّدة باستمرار، والمعمَّقة مع يسوع المسيح. ومثل يوحنا الرسول الحبيب في العشاء السرّي، عليكَ أن تتكِّئ على صدر يسوع كي تفهمه (يو ١٣: ٢٣).

فالروح القدس، يوم العنصرة، لم يحلّ فقط على الاثني عشر، إنّما على أكثر من مئة وعشرين تلميذاً، وجعلهم يحملون بشرى الخلاص، ويشارك كلّ مؤمن، بعماده وتثبيته، في عنصرة الروح، وهو بالتالي مدعو للمشاركة في حمل الرسالة ضمن الجماعة المؤمنة.

ومنذ بدء تاريخ الكنيسة والعلمانيين (من ليسوا كهنة وأساقفة) يقومون بدورهم في الشهادة للمسيح. وقد أدى الكثيرون منهم شهادة الدم وهؤلاء هم بذور المسيحيين في الشرق والغرب، لذلك يجب أن تحمل مسؤولية الرسالة في الكنيسة إلى البيت والمكتب والمتجر والمصنع والمدرسة والحقل... فالرسالة بشرى الخلاص وفرح القيامة. فلا يمكن أن توكل هذه المهمة إلى قلة خلفاء الرسل بل إلى الجسد بكامله لأنه يمتد ويتغلغل في كلّ زوايا المكان وتعرجات الزمان، فإذا كان العلماني بعوامل تاريخيّة قد أُهمل حين واجهه الرسولي، فانه عاد منذ بدء القرن العشرين يشعر بأن لا كنيسة بدونه، وراح يعمل في حقل الرسالة مقتنعاً بأنّه يشارك في رسالة المسيح ضمن الكنيسة، حسب ما أعطاه الروح الذي قبله في سرّ العماد، فباقتباله هذا السرّ أصبح عضوا في الشعب الكهنوتيّ المشارك في كهنوت المسيح.

لذا فالعلماني في الكنيسة، ومن خلالها، يشارك برسالة المسيح الكاهن، فكون المسيح إلهاً كاملاً وإنساناً كاملاً جعله الربّ، وحده، الكاهن، أي الوسيط بين الله والناس، فالكاهن مأخوذ من الناس ليقوم في ما هو لله، فالكاهن الأوحد هو يسوع المسيح لأنّه جمع في شخصه الانسان بالله في وحدة الأقنوم. فكان القربان والمقرِّب واستطاع أن يرضي الآب السماويّ. والعلماني اذ اتحد بيسوع المسيح في عماده، ويتحد به في حياته وأعماله كلّها، يستطع بدوره أن يقدّم ذاته، بكل ما فيها من فرح وحزن، من سعادة وشقاء، من قلق وطمأنينة، من راحة وتعب، قربانًا مع المسيح في ذبيحة المسيح الافخارستيا، فيكن بذلك مشاركا في كهنوت المسيح لخلاص العالم.

ويشارك العلماني في الكنيسة ومن خلالها برسالة المسيح النبوية، فهو، في ضوء تعاليم المسيح، يستنير فيقرأ في الأحداث ارادة الله وتصميمه ويعلنها على الملأ كما أعلن المسيح ارادة الآب التي هي خلاص العالم، وفي أعماله كلها يعيش ارادة الله ويحقق من خلالها، بواسطة نعمته، الملكوت في هذا العالم، اذ تأتي أعماله والتزاماته كلّها مشبعة بروح الإيمان وملهمة بارادة الله القدوسة كما كشفها لنا رسوله، يسوع، الذي فيه ملء النبوة. وفي الكنيسة ومن خلالها يشترك العلماني في رسالة المسيح الملوكية اذ يعيش حياته ويتدبرها في حرية ابناء الله عاملا بوحي روح المسيح على تدبير شؤونه والعمل على تنظيم العالم من حوله بما يتلاءم وحقيقة الملكوت. ولا ينسى العلماني، أخيراً، أنّ دعوته للرسالة، وإن كانت دعوة شخصيّة، يوجهها الله إليه باسمه هو، هي دعوة في الجماعة وضمن الجماعة. فعمل العلماني يجب أن يظلّ في خط رسالة الجماعة ولا قيمة لأيّ عمل يخرج عن نطاقها، وقد وعى العلمانيون هذه الحقيقة فأسّسوا المنظّمات الرسوليّة التي تعمل، ضمن الكنيسة، كمنظمات العمل الكاثوليكي وغيرها، بعد أن نالوا رضى الكنيسة جمعاء وعملوا بتوجيهاتها، بشخص رئيسها الأب الأقدس وأساقفتها المسؤولين باتحادهم بالرأس، في أبرشيّاتها الممتدة في أقاصي الأرض إلى أقاصيها لأن الدعوة هي للجماعة المؤمنة، الكنيسة، ولكلّ واحد من المؤمنين ضمن هذه الجماعة.

 

أنطلياس في ٢١ شباط ٢٠١٠

الأب جوزيف عبدالساتر

رئيس وخادم رعيّة دير مار الياس - أنطلياس

عن مجلة ؛نيستنا - العدد ٦٨، آذار ٢٠١٠