"أنا هو الراعي الصالح، أعرف خرافي وخرافي تعرفني" (يوحنا ١٠/ ١٤)
تماشياً مع الهدف الذي وضعته مجلّة كنيستنا لأعداد هذه السنة، وهو الحديث عن الكهنوت والكهنة والتعمق به، ونزولاً عند رغبة وإلحاح إدارتها بأن أنقل إليكم عبرها خبرتي وشعوري، رأيت أن أعود وإيّاكم إلى قول الربّ يسوع بحسب إنجيل القديس يوحنا في الفصل العاشر الآية ١٤: "أنا هو الراعي الصالح، أعرف خرافي وخرافي تعرفني"؛ وبعدها "أبذل نفسي في سبيل الخراف"، يقيناً منّي بأن هذا القول ينطبق تماماً على هويّة الكاهن ورسالته في كل زمان ومكان.
الكاهن، وهو كاهن المسيح وكنيسته، من جرّاء قبوله سرّ العماد المقدّس واندماجه في شعب الله، ولا سيّما أنه "بالتكرّس الكهنوتيّ يضحي شبيهاً بيسوع المسيح بصفته رأس الكنيسة وراعيها" (أعطيكم رعاة العدد ٢١). فمن جرّاء التكرّس الكهنوتي يصبح الكاهن ملتزماً برسالة المسيح.
الالتزام برسالة المسيح يعني أول ما يعني السعي إلى التماهي مع المسيح بقدر المستطاع أي محاولة اتحاده بالرب يسوع بالصلاة والتأمل والبذل اتحاداً عميقاً وثابتاً بحيث يصبح المسيح هو المتكلّم بفمه والناظر بعينيه والمفكّر بعقله والمفعَم قلبه بمحبّة المسيح الراعي فيبني مع مختلف أبناء رعيّته علاقات يميّزها عطف المسيح وحنانه وقلقه على خير أبناء رعيّته.
ولكي يبلغ الكاهن إلى هذا الحدّ من التماهي مع المسيح لا بدّ من أن يضع المسيح الحيّ القائم من الموت نصب عينيه متأملاً بكلماته الموجَّهة إليه متفهماً ما تعني ليحفظها ويعمل بها متحسّساً شعوره (المسيح) تجاه أبناء رعيّته بمختلف فئاته: خطأة كانوا أم أبراراً، أصحّاء أم مرضى، أغنياء أم فقراء، حزانى ومفجوعين...
حاجات أبناء الرعيّة تختلف باختلاف الاشخاص. هل يعرف الكاهن حقيقةً أبناء رعيّته؟ الممارسين وغير الممارسين؛ الأولاد، هل يتعلّمون التعليم المسيحي؟ الشبّان والشابات، ما هي قيمة معارفهم الدينيّة ومستوى أخلاقهم؟ الآباء والامهات، ما هو تفكيرهم وعلاقاتهم وفي أي ظرف يعيشون...؟ هذا النوع من التعرّف إلى أبناء الرعيّة يؤدّي بالكاهن إلى تحديد نوع الخدمة التي تتطلبها خدمته الرعوية.
السعي إلى معرفة أبناء الرعيّة فرداً فرداً وبالعمق بهدف "توفير الطعام المناسب في حينه" ينمّ عن المحبّة التي يعمر بها قلب الكاهن – الراعي ليخدم أبناءه ويبذل نفسه وحياته في سبيلهم – هذا كان سرّ نجاح الكهنة القديسين ومن بينهم خوري آرس القديس الذي نحتفل هذه السنة بمرور ١٥٠ عاماً على وفاته والذي أوحى إلى قداسة البابا بندكتوس السادس عشر تكريس هذه السنة للحديث عن الكهنة والكهنوت والتعمّق به. فخوري آرس القديس تعرّف على أبناء رعيّته وأحبّهم وقرّر تكريس حياته بكلّ ما أوتي من فضائل لخدمتهم: تحدّى الصعوبات التي خلّفتها الثورة الفرنسيّة وألقت بثقلها وويلاتها على أبناء رعيّته، وتلك التي اعترضته من قِبل أبناء الرعيّة، علّم الاولاد، عزّى الحزانى، آسى المرضى، ردّ الخطأة والضّالين وجعل من رعيّته، اللامبالية (والتي كانت تعبد "الشياطين")، بتضحياته المستمرة وسهره الدؤوب وصلاته الدائمة، وعبادته للقربان واهتمامه بجعل الكنيسة تجلب المؤمنين، وقلقه في سبيل توفير الخلاص لشعبه، وبساطة عيشه، وفقره، واكتفائه بالضروري من المأكل والملبس واتّكاله على الربّ في كلّ أعماله لأنه كان مدركاً أنه رسوله، جعل منها هيكلاً لله الحيّ. خوري آرس القديس قدّس ذاته وجعل من رعيّته مثالاً يحتذى بحيويتها الروحيّة لأنه كان آلة طيّعة لالهامات الروح القدس.
العالم اليوم، كما في كلّ زمان ومكان، "بحاجة إلى شهود أكثر منه إلى معلّمين" وشهادة الحياة تعطي الشهادة بالأقوال قوّة لا تقهر.
صلاتي إلى الربّ، بشفاعة العذارء مريم، التي حملت إلى الآخرين ابنها يسوع منذ لحظة التجسّد، بدءاً بأليصابات، أن ندع الروح ينعش إيمان كهنة اليوم فيتماهوا مع المسيح قدر المستطاع ليكونوا، حيثما وجدوا، شهوده ورُسله الحقيقيين رغم ما يعترضهم من صعوبات.
الخوراسقف نجيب الحلو

