كَسر الكلمة - الرسائل -54- الأحد الخامس عشر من زمن العنصرة

كَسر الكلمة - الرسائل -54- الأحد الخامس عشر من زمن العنصرة

توبة المرأة الكنعانيَّة
(1 تس 1: 1-10)
1 مِنْ بُولُسَ وسِلْوانُسَ وطِيمُوتَاوُسَ إِلى كنِيسَةِ التَّسَالُونِيكيِّينَ الَّتِي في اللهِ الآبِ والرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسيح: النِّعْمَةُ لَكُم والسَّلام!
2 نَشْكُرُ اللهَ دائِمًا مِنْ أَجْلِكُم جَمِيعًا، ونَذْكُرُكُم في صَلَواتِنَا بِغَيْرِ إنْقِطاع.
3 ونتَذَكَّرُ في حَضْرةِ إِلـهِنَا وأَبِينَا عَمَلَ إِيْمَانِكُم، وتَعَبَ مَحَبَّتِكُم، وثَبَاتَ رَجَائِكُم، كَمَا في رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيح.
4 ونَعْلَم، أَيُّهَا الإِخْوَة، أَحِبَّاءُ الله، أَنَّ اللهَ إخْتَارَكُم؛
5 لأَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ إِلَيْكُم بِالكَلامِ وحَسْب، بَلْ أَيضًا بِالقُوَّةِ وبِالرُّوحِ القُدُسِ وَبِمِلْءِ اليَقِين، وأَنتُم تَعْلَمُونَ كَيْفَ كُنَّا بَيْنَكُم مِن أَجْلِكُم.
6 فَقَدْ صِرْتُم تَقْتَدُونَ بِنَا وبِالرَّبّ، إِذ قَبِلْتُمُ الكَلِمَة، في وَسَطِ ضِيقَاتٍ كَثِيرة، بِفَرَحِ الرُّوحِ القُدُس،
7 حَتَّى صِرْتُم مِثَالاً لِجَمِيعِ الـمُؤْمِنينَ في مَقْدُونِيَةَ وأَخَائِيَة؛
8 لأَنَّهَا مِنْكُم ذَاعَتْ كَلِمَةُ الرَّبّ، لا في مَقْدُونِيَةَ وأَخَائِيَةَ وحَسْب، بَلْ في كُلِّ مَكَانٍ إنتَشَر إِيْمَانُكُم بِالله، حتَّى لَمْ يَعُدْ بِنَا حَاجَةٌ إِلى أَنْ نَقُولَ في ذلِكَ شَيْئًا.
9 فَهُم أَنْفُسُهُم يُخْبِرُونَ عَنَّا كَيْفَ كَانَ دُخُولُنَا إِلَيْكُم، وكَيْفَ رَجَعْتُم عَنِ الأَوْثَانِ إِلى الله، لِكَي تَعْبُدُوا اللهَ الـحَيَّ الـحَقّ،
10 وتَنْتَظِرُوا مِنَ السَّمَاواتِ إبْنَهُ، الَّذي أَقَامَهُ مِنْ بَينِ الأَمْوَات، يَسُوع، مُنَجِّينَا مِنَ الغَضَبِ الآتي.

مقدّمة
في الأحد الخامس عشر من زمن العنصرة، نتأمَّل بمقطعٍ (1 تس 1: 1-10) يُشيدُ فيه الرسول بولس بثبات أهل تسالونيكي على الفضائل الإلهيَّة: الإيمان، والرجاء، والمحبَّة؛ فأصبحوا مضرب مثلٍ بين شعوب المنطقة آنذاك، وخاصَّةً بالإيمان. هذا الإيمان عينه، نراه في تلك المرأة الكنعانيَّة (لو 7: 36-50)، الَّتي اقتربت من يسوع ومسحت رجليه بشعرها، فغُفِرَت خطاياها الكثيرة، "لأنَّها أحبَّت كثيرًا" (لو 7: 47)، ولأنَّها آمنت كثيرًا (راجع لو 7: 50).

شرح الآيات 
1 مِنْ بُولُسَ وسِلْوانُسَ وطِيمُوتَاوُسَ إِلى كنِيسَةِ التَّسَالُونِيكيِّينَ الَّتِي في اللهِ الآبِ والرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسيح: النِّعْمَةُ لَكُم والسَّلام!
كانت الرسائل، كما ورد هنا في هذه الرسالة، تبدأ بذكر اسم الكاتب، متبوعة بأسماء من تُرسل إليهم الرسالة (كنيسة التسالونيكيّين)، ثمَّ تُضاف إليها تحيَّات الكاتب (النعمة لكم والسَّلام). كاتب الرسالة هو بولس، وقد ذكَرَ اسم معاونَين له في الرسالة هما "سلوانس وطيموتاوس".
"سلوانس"، هو الاسم الرومانيّ لـ "سيلا"، الَّذي كان قد أُرسِلَ من أورشليم مع بولس إلى أنطاكية (راجع أعمال 15: 22، 32). وهو الشخص نفسه الَّذي رافق بولس كمساعدٍ رئيسيّ له في رحلته التبشيريَّة الثانية، الَّتي تمَّ في أثنائها تأسيس الكنيسة في تسالونيكي (راجع أعمال 15: 40؛ 17: 1-9). تمَّ ذكره، بعد ذلك، مرَّةً واحدة فقط، وهي عندما كان مع بطرس عندما كُتِبَت رسالة بطرس الأولى مِن مكانٍ سمَّاه بابل، حوالي عام 60-65م (راجع 1 بط 5: 12).
أما "طيموتاوس"، فكان من أبٍ يونانيّ وأمٍّ عبريَّة، وعاش في لسترة. اختُتِنَ عندما كان شابًّا يافعًا، واتَّخذه بولس معاونًا له (راجع أعمال 16: 1-3). كانت أمُّه وجدَّته امرأتين يهوديَّتَين، وأصبحتا في ما بعد مؤمِنَتَين بالمسيح (راجع 2 طيم 1: 5؛ 3: 4-15). كان بولس يَكُنُّ له احترامًا شديدًا (راجع فل 2: 19-20).
كتب بولس هذه الرسالة إلى "كنيسة التسالونيكيّين". كلمة "كنيسة"، تعني في اللغة اليونانيَّة (ekklêsía) "تجمُّع". تتحدَّث الكتب المقدَّسة عن مجموعة التجمُّعات (راجع متَّى 16: 18)، وعن التجمُّعات الكنسيَّة المحليَّة (راجع 1 قور 1: 2). يُستعمَل هذا التعبير لوصف تجمُّعاتٍ مدنيَّة، كتجمُّع الناس في أفسس (راجع أعمال 19: 32). فمن الكلمات الوصفيَّة المرافِقَة، نستطيع معرفة أيّ نوعٍ من التجمُّع هو المقصود.
"التسالونيكيّون" هم المواطنون القاطنون في مدينة تسالونيكي. استُخدِمَت، عبارة "كنيسة التسالونيكيّين"، هنا وفي الرسالة الثانية (راجع 2 تس 1: 1). كان بولس يوجّه رسالته، عادةً، إلى المسيحيّين، أو "القدّيسين" في مكانٍ ما. لكن هنا اختلف الأمر. فقد عَنوَنَ الرسالة إلى مجموعة النَّاس الَّتي اجتمعت في مكانٍ ما. لم يكن التجمُّع يضمُّ فقط مواطني مدينة تسالونيكي، بل أيضًا الَّذين كانوا "في الله الآب والرَّبّ يسوع المسيح".
تمنَّى بولس لأهل تسالونيكي "النعمة" (charis)، أي ما مَنَّ الله به. كانت ترد كلمة "النعمة" ضمن التحيَّات الهلّينيَّة. إضافةً إلى ذلك، تمنَّى لهم بولس "السلام" (eirênê). كان ذكر السَّلام عند اليونانيّين يعني غياب الحرب. أمَّا في اللُّغة العبريَّة، فالكلمة هي "شالوم shalom"، وتعني ازدهار الروح عند الشخص وكمالها. وعادةً يُحيّي اليهود بعضهم بعضًا بكلمة "شالوم shalom".

2 نَشْكُرُ اللهَ دائِمًا مِنْ أَجْلِكُم جَمِيعًا، ونَذْكُرُكُم في صَلَواتِنَا بِغَيْرِ إنْقِطاع.
قال بولس: "نشكر الله"، كما كان غالبًا ما يبدأ رسائله بعبارة "الشكر" (باللغة اليونانيَّة eucharistéô). لقد كان الخير والصلاح وَفِيرَين عند أهل تسالونيكي، بحيث كانوا ( أي التسالونيكيّين) مصدر تشجيعٍ لبولس (راجع 1 تس 1: 8-10).
قال بولس أيضًا: "ونذكركم في صلواتنا بغير انقطاع". كانت صلوات بولس تحوي كنائس وأشخاص محدَّدِين (راجع 2 طيم 1: 3). من الجدير بالملاحظة أيضًا، أنَّه كان دائمًا يشكر الله، وقد صلَّى بانتظامٍ من أجل الكنيسة (راجع 1 تس 5: 17-18).

3 ونتَذَكَّرُ في حَضْرةِ إِلـهِنَا وأَبِينَا عَمَلَ إِيْمَانِكُم، وتَعَبَ مَحَبَّتِكُم، وثَبَاتَ رَجَائِكُم، كَمَا في رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيح.
إضافةً إلى "شكر الله"، يتذكّر بولس "في حضرة الله"، اجتهادات أهل تسالونيكي. شكر بولس الله على "عمل إيمانهم، وتعب محبَّتهم، وثبات رجائهم". فأسمى الفضائل الإلهيَّة هي: "الإيمان، والرجاء، والمحبَّة"، وهي غالبًا ما تَرد في رسائل بولس مُتلازِمة (راجع 1 تس 5: 8؛ 1 قور 13: 13؛ قول 1: 3-5). ركَّز بولس هنا على هذه الفضائل، نظرًا لأهميَّتها، خاصَّةً في ما توحي به في حياة أهل تسالونيكي. فالإيمان الحقيقيّ يُنتج عملًا صالحًا؛ والمحبَّة تتطلَّب أشغالًا شاقَّة؛ والرجاء يُنتج صبرًا واحتمالا. كلُّ ذلك يعني أنَّ أهل تسالونيكي استطاعوا الاستمرار، بالرغم من الاضطهاد والعداوات الَّتي واجهوها. استمرُّوا "في ربّنا يسوع المسيح"، لأنَّ حُبَّه العظيم هو النَّموذج الَّذي يعطي المحبَّة المسيحيَّة معناها الحقيقيّ. 

 4 ونَعْلَم، أَيُّهَا الإِخْوَة، أَحِبَّاءُ الله، أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُم؛
كلمة "الإخوة" الـمُترجَمة من اليونانيَّة adelfós، هي مُصطلحٌ عزيزٌ على قلب بولس، استعمله مرارًا وتكرارًا، في هذه الرسالة (راجع 1 تس 2: 1؛ 3: 2؛ 4: 6؛ 4: 10)، وورد خمسًا وعشرين مرَّة في الرسالتَين إلى أهل تسالونيكي.
أمَّا عبارة "أحبَّاء الله" (êgapêménoi hupó [toû] theoû)، فهي تعني المسيحيّين الَّذين قبلوا عيش المحبَّة. لذلك، عندما يُقال بالمعنى الخاصّ، بأنَّ المسيحيّين هم "أحبَّاء الله"، فهذا يعني أنَّهم تصالحوا مع الله بواسطة يسوع المسيح (راجع 2 قور 5: 19). بالرغم من أنَّ غالبيَّة الكنيسة كانت من الأمميّين، فقد أكّد بولس أنَّهم أصبحوا جزءًا من "أحبَّاء الله"، كما كان اليهود "شعب الله المختار" في العهد القديم. فاختيار الشخص مِن قِبَل الله، يعتمد في الأساس على محبَّة الله. ولو لم يُبادر الله أوَّلًا، لَمَا كان هناك مصالحة. لكن هناك شروطٌ، وجب على الشَّخص الالتزام بها، ليكون من عداد المختارين. 

5 لأَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ إِلَيْكُم بِالكَلامِ وحَسْب، بَلْ أَيضًا بِالقُوَّةِ وبِالرُّوحِ القُدُسِ وَبِمِلْءِ اليَقِين، وأَنتُم تَعْلَمُونَ كَيْفَ كُنَّا بَيْنَكُم مِن أَجْلِكُم.
تعني كلمة "إنجيل" البشرى السَّارّة. كان الإنجيل جزءًا لا يتجزّأ من حياة بولس، وسلوانس، وطيموتاوس. فقد قبلوه، وعاشوه، ووعظوا به. عناصره الرئيسيَّة هي نفسها الَّتي بشَّروا بها، بالرغم من اختلاف طرائقهم، لأنَّها لم تكن كلامًا بشريًّا وحسب، بل "بالقوَّة وبالروح القدس".
كلمة "قوَّة" مُترجَمة من الكلمة اليونانيَّة dúnamis، وتعني أنَّ الإنجيل لم يكن ملتحفًا فقط برسالةٍ من كلمات، إنَّما بقوَّة، أي بحقائق إلهيَّة وراء الكلمات. فلم تكن كلمات بولس ومعاونَيه، كلمات قرعٍ فارغ، بل كانوا يتكلَّمون "بملء اليقين"، لأنَّ قوَّة بشارتهم كانت مرتبطة بــ"الروح القدس".
أشار بولس أيضًا إلى كيفيّة تصرُّفهم عندما كانوا مع أهل تسالونيكي: "وأنتم تعلمون كيف كنَّا بينكم من أجلكم". فلم يعمل بولس ومعاوناه، لكي يشجّعوا اهتماماتهم الذاتيَّة، بل صنعوا كلَّ شيءٍ "من أجل" أهل تسالونيكي. 

6 فَقَدْ صِرْتُم تَقْتَدُونَ بِنَا وبِالرَّبّ، إِذ قَبِلْتُمُ الكَلِمَة، في وَسَطِ ضِيقَاتٍ كَثِيرة، بِفَرَحِ الرُّوحِ القُدُس،
كلمة "تَقتدون"، الـمُترجمة من اليونانيَّة mimêtaí، تشير إلى الناس الَّذين ينظرون إلى غيرهم، في محاولةٍ للتشبُّه بهم، واتّخاذهم كنموذجٍ لهم. ولأنَّ بولس، كان يحاول بكلّ إخلاصٍ أن يعيش للرَّبّ، كان يشجّع الآخرين على "الاقتداء به"، وبالأخصّ لـ"الاقتداء بالرَّبّ". حاول أهل تسالونيكي الاقتداء ببولس ومُعاونَيه؛ لكن بالحقيقية، كانوا من خلال الرسل، يقتدون "بالرَّبّ"، لأنَّ ما كان يهمُّ الرسول بولس، هو اتّباع مثل الرَّبّ (راجع 1 قور 11: 1؛ 4: 16).
استمرَّ أهل تسالونيكي في الإيمان، "في وسط ضيقاتٍ كثيرة"، لأنَّهم اتَّبعوا النموذج الصحيح. تشير عبارة "بفرح الروح القدس"، إلى فتح قلوبهم لطاعة رسالة الله؛ إنَّه فرح المعرفة بأنّهم تصالحوا مع الله، ويواجهون ما يجب عليهم مواجهته في سبيله. لذلك، تغلَّب فرح أهل تسالونيكي على حزنهم، لأنَّ الفرح الآتي لقلوبهم هو من "الروح القدس". وهذه الحقيقة هي سببٌ آخر لتأكُّد بولس من أنهم كانوا فعلًا من المختارين.

7 حَتَّى صِرْتُم مِثَالاً لِجَمِيعِ الـمُؤْمِنينَ في مَقْدُونِيَةَ وأَخَائِيَة؛
كانت "مقدونية وآخائية" في أيَّام بولس مقاطعَتَين رومانيَّتَين. كانت "آخائية" مكوَّنة من الجزء الجنوبيّ لِمَا يُعرَف اليوم باليونان، بما فيها قورنتس وأثينا. وكانت "مقدونية" تكوّن الجزء الشماليّ من اليونان، بما فيها بيرية، وفيليبّي، وتسالونيكي.
صار أهل تسالونيكي "مثالًا لجميع المؤمنين في مقدونية وآخائية" (المقاطعات المجاوِرَة). وكلمة "مثالًا"، مأخوذة من الكلمة اليونانيَّة túpos، الَّتي قد تعني "ختم" أو "دمغة" تمَّت بضربةٍ قويَّة (ورد هذا المعنى في يو 20: 25). فإنَّ مدى اقتداء الانسان بالرَّبّ هو الدرجة الَّتي يكون فيها "مثالًا" لتشجيع الآخرين. 

8 لأَنَّهَا مِنْكُم ذَاعَتْ كَلِمَةُ الرَّبّ، لا في مَقْدُونِيَةَ وأَخَائِيَةَ وحَسْب، بَلْ في كُلِّ مَكَانٍ إنتَشَر إِيْمَانُكُم بِالله، حتَّى لَمْ يَعُدْ بِنَا حَاجَةٌ إِلى أَنْ نَقُولَ في ذلِكَ شَيْئًا.
ترتبط هذه الآية بما سبق. فــ"كلمة الرَّبّ" (الإنجيل)، و"إيمانهم بالله" (أي قبول رسالته كمعيارٍ لهم)، قد "ذاع"، لأنَّ غاية إيمانهم لم تكن الأصنام، بل الإله الحقيقيّ.
فعل "ذاعت" (ekxêchêtai)، يوحي بصوت الرَّعد، أو البوق، الَّذي يسبّب الاهتزاز أو الصدى. فالفعل المستعمل هنا، يُفيد عن شيٍ أُذِيعَ في الماضي ويستمرُّ تأثيره في المستقبل. بمعنى أنَّ كنيسة تسالونيكي، قد أصبحت صوتًا مدوّيًا. وازداد احتمال حدوث ذلك، لأنَّ مدينة تسالونيكي كان لها ميناءٌ رائعٌ، وفيها أنشطة تجاريَّة مستمرَّة، وكانت تقع على طريق إغناطية، الَّتي كانت طريقًا رومانيَّة رئيسيَّة تتَّجه شرقًا وغربًا، ومنها انتقل الإنجيل والكلمة إلى كلّ "مقدونية وآخائية" و"في كلّ مكان".
تشير عبارة "كلّ مكان" إلى أنَّ الرسالة قد ذهبت بعيدًا لدرجة أنَّ بولس ومُعاونَيه لم يكونوا "بحاجةٍ إلى أن يقولوا في ذلك شيئًا". 

9 فَهُم أَنْفُسُهُم يُخْبِرُونَ عَنَّا كَيْفَ كَانَ دُخُولُنَا إِلَيْكُم، وكَيْفَ رَجَعْتُم عَنِ الأَوْثَانِ إِلى الله، لِكَي تَعْبُدُوا اللهَ الـحَيَّ الـحَقّ،
الإيمان والتوبة حوَّلا حياة أهل تسالونيكي، وغيَّرا أسلوب حياتهم. ففعل "رجعتم" (epestrépsate)، يعبّر عن عودة الشخص إلى الله (راجع أعمال 3: 19). تحوَّلوا "عن الأوثان"، أو التماثيل، الَّتي كان من المفروض أن تمثّل آلهة مثل زيوس، أبولّو، وأرتاميس؛ هذه الآلهة وُجِدَت في المخيّلة، وكانوا يعبدونها. في الواقع، كانت كلّ الأعياد تقريبًا، والاحتفالات في مقدونية، تتمُّ حول تلك الآلهة، وكانت هياكلها مركز الحياة الاجتماعيَّة. فكان على المسيحيّين الجدد أن يتوقَّفوا عن الذهاب إلى مثل تلك النشاطات مع جيرانهم "لكي يعبدوا لله الحيّ الحقّ".
تحوَّل أهل تسالونيكي إلى "الإله الحقّ" ليخدموه. ففعل "تعبدوا" (douleúein)، يُفيد بأن يقوموا بالخدمة المتواصلة، أي أن يكرّسوا أنفسهم لله بالكامل.

 10 وتَنْتَظِرُوا مِنَ السَّمَاواتِ إبْنَهُ، الَّذي أَقَامَهُ مِنْ بَينِ الأَمْوَات، يَسُوع، مُنَجِّينَا مِنَ الغَضَبِ الآتي.
من "يعبد الله" (1 تس 1: 9) "ينتظر" (anaménô) عودة الرَّبّ يسوع. ففعل "تنتظروا" المستعمل في هذه الآية، يأتي في اللغة اليونانيَّة (anaménein) في صيغة الحاضر المستمرّ، ليعني "الاستمرار في الانتظار"، أي الانتظار المتواصل للمجيء الثَّاني. لذلك، يختبر المسيحيّون في تسالونيكي الشَّوق المتواصل لمجيء ابن الله، وهو "يسوع" الحيّ، الَّذي "أقامه الله من بين الأموات"، بالمقارنة مع "الأصنام الميتة"؛ وهو الَّذي يُنقذهم من "الغضب الآتي".
غضب الله لا يكون انتقامًا، إنَّما يبيّن شعور الله القويّ ضدّ الشرّ، الَّذي يتطلَّب تصفية حساب. فكما أنَّ حبّه عميقٌ، كذلك غضبه يكون أشدّ. لا يريد الله العذاب للناس، بل أن يتجنَّبوا الشرّ ويُنقَذوا من العقاب. 

خلاصة روحيَّة
يتوجَّه الرسول بولس، في رسالة هذا الأحد (1 تس 1: 1-10)، باسمه، وباسم من تَعبَا معه في رسالته: سلوانس، وطيموتاوس. هذه علامةٌ على تواضعه، إذ يقوم بإجلال مساعدَيه عبر إظهار عملهما إلى العلن، ولم يُبقِهما وراء الكواليس؛ فهم شركاؤه في الرسالة وفي جَنِي ثمارها.
أشار القدّيس بولس إلى اهتمام أهل تسالونيكي بالفضائل الإلهيَّة، الَّذي لم يكن ليتمَّ إلَّا بِهَديِ الروح القدس، الَّذي يُنير ويعطي مواهبه لجميع المتَّكلين عليه، والسالكين في طريقه. إنَّ عيش الفضائل الإلهيَّة هو دليلٌ على أمرَين: إتقان البشارة وحُسن تلقّيها. فالمرسلون المشار إليهم في مطلع الرسالة (بولس، وسلوانس، وطيموتاوس)، عملوا بهَديِ الروح القدس، وبشرَّوا، وسط الضيق، والصعوبات، والاضطهاد. عملوا وجاهدوا، وكانوا المعلّمين الشهود الَّذين رأتهم كنيسة تسالونيكي، فتغيَّرت، وأصبحت مدينةً مثاليَّة في عيش الإيمان، والرجاء، والمحبَّة.
هكذا أيضًا، المرأة الكنعانيَّة الخاطئة، لم تكن لتجرؤ على ما قامت به، لولا إدراكها وثقتها، أي إيمانها بنعمة الله، وحنانه، وحبِّه، من خلال الرَّبّ يسوع. لهذا، جاءت إليه كخاطئة تائبة، ودنت منه وبادلته بالحبّ كعربون شكرٍ، فأصبحت نموذجًا لغيرها: "خطاياها الكثيرة مغفورةٌ لها، لأنَّها أحبَّت كثيرًا. أمَّا الَّذي يُغفر له قليلًا فيحبُّ قليلًا" (لو 7: 47).


تحميل المنشور