كَسر الكلمة - الرسائل -44- الأحد السابع من زمن العنصرة

كَسر الكلمة - الرسائل -44- الأحد السابع من زمن العنصرة

إرسال التلاميذ الاثنين والسبعين 
الآيات (2 قور 3: 1-6)
1 أَنَعُودُ نَبْدَأُ فَنُوَصِّيكُم بِأَنْفُسِنَا، أَمْ تُرَانَا نَحْتَاج، كَبَعْضِ النَّاس، إِلى رَسَائِلِ تَوْصِيَةٍ إِلَيْكُم أَوْ مِنكُم؟
2 إِنَّ رِسَالَتَنَا هيَ أَنْتُم، وهيَ مَكْتُوبَةٌ في قُلُوبِنَا، يَعْرِفُهَا وَيَقْرَأُهَا جَمِيعُ النَّاس.
3 أَجَلْ، لَقَدِ إتَّضَحَ أَنَّكُم رِسَالَةُ الـمَسِيح، الَّتي خَدَمْنَاهَا نَحْنُ، وهيَ مَكْتُوبَةٌ لا بِالـحِبْرِ بَلْ بِرُوحِ اللهِ الـحيّ، لا عَلى أَلْوَاحٍ مِنْ حَجَر، بَلْ عَلى أَلْوَاحٍ مِنْ لَحْمٍ أَي في قُلُوبِكُم.
4 تِلْكَ هيَ الثِّقَةُ الَّتي لَنَا بِالـمَسِيحِ عِنْدَ الله،
5 وهِيَ أَنَّنا لا نَقْدِرُ أَنْ نَدَّعيَ شَيْئًا كأَنَّهُ مِنَّا، بَلْ إِنَّ قُدْرَتَنا هِيَ مِنَ الله،
6 فهوَ الَّذي قَدَّرَنَا أَنْ نَكُونَ خُدَّامًا لِلعَهْدِ الـجَدِيد، لا لِلحَرْفِ بَلْ لِلْرُّوح، لأَنَّ الـحَرْفَ يَقْتُلُ أَمَّا الرُّوحُ فَيُحْيِي.

مقدّمة
في الأحد السَّابع من زمن العنصرة، يُرسل الرَّبّ يسوع التلاميذ الاثنين والسَّبعين، ويدعوهم إلى التخلّي عن "كيس" همومهم، و"زَادِ" خوفِهم وخجلِهم، والتعليم المضلّل العالق بــ"حذائهم" (لو 10: 4)، وإلى التحلّي بــ"كيس" النِعَم، و"زاد" النعمة، للسير "حفاةً" (فقراء) نحو القريب، حاملين له بشرى الفرح، والحبّ، والسلام.
في رسالة هذا الأحد (2 قور 3: 1-6)، يؤكّد بولس على ثقته بكنيسة قورنتس: "تلك هي الثقة الَّتي لنا بالمسيح عند الله" (2 قور 3: 4)، ويُعرِب بولس عن مميِّزات الرسول الحقيقيّ المؤتمن على الرسالة ليبلّغها إلى الآخرين، لا أن يمتلكها أو يتصرَّف بها كما يشاء، لأنَّ القوَّة الَّتي ينطلق بها للرسالة هي من الله وليست منه.

شرح الآيات
1 أَنَعُودُ نَبْدَأُ فَنُوَصِّيكُم بِأَنْفُسِنَا، أَمْ تُرَانَا نَحْتَاج، كَبَعْضِ النَّاس، إِلى رَسَائِلِ تَوْصِيَةٍ إِلَيْكُم أَوْ مِنكُم؟
كتب بولس هذه الكلمات، على ما يبدو، لأنَّ بعضًا من أهل قورنتس شكَّكوا في عمل بولس ولم يثقوا به. أطلق بعض المبشّرين على أنفسهم اسم "خدَّام المسيح" (2 قور 11: 23)، وأتوا إلى قورنتس واثقين من أنفسهم إلى أقصى حدود. لذا أتوا بــ"رسائل توصية" (2 قور 3: 1) تصف أعمالهم العظيمة. فحقيقة كونهم "يشهدون لأنفسهم" (2 قور 10: 12)، تدلُّ على أنَّهم لم يفتقروا إلى الثقة بالنفس. من الواضح أنَّهم اعتبروا أنَّ فشل بولس في إحضار "رسالة توصية" كان إشارةً إلى أنَّه لا يثق في عمله. وهكذا، كانوا "يقيسون أنفسهم بأنفسهم، ويقارنون أنفسهم بأنفسهم" (2 قور 10: 12)، ولا يشكُّون أبدًا في قدرتهم على الخدمة.

2 إِنَّ رِسَالَتَنَا هيَ أَنْتُم، وهيَ مَكْتُوبَةٌ في قُلُوبِنَا، يَعْرِفُهَا وَيَقْرَأُهَا جَمِيعُ النَّاس.
3 أَجَلْ، لَقَدِ إتَّضَحَ أَنَّكُم رِسَالَةُ الـمَسِيح، الَّتي خَدَمْنَاهَا نَحْنُ، وهيَ مَكْتُوبَةٌ لا بِالـحِبْرِ بَلْ بِرُوحِ اللهِ الـحيّ، لا عَلى أَلْوَاحٍ مِنْ حَجَر، بَلْ عَلى أَلْوَاحٍ مِنْ لَحْمٍ أَي في قُلُوبِكُم.

لا يحتاج بولس إلى "رسائل توصية"، لأنَّ أهل قورنتس أنفسهم هم الرسالة: "رسالتنا هي أنتم"، الَّتي لا تُرسَل إلى كنائس أخرى تشهد لعمله، بل "مكتوبةٌ في القلب"، فيفرح من أجل غنى نعمة الله العاملة فيهم.
حياة أهل قورنتس الجديدة هي "رسالة التوصية"، المنقوشة "لا بالحِبر" على وَرق، لكن "بروح الله الحيّ" في القلوب. فحياتهم هي خيرُ خطابٍ مفتوحٍ دومًا ومقروء. إنَّهم "رسالة المسيح"، وما بولس وغيره من الرسل سوى خدَّامٍ، أو آلاتٍ يعمل المسيح من خلالهم كلَّ صلاح.
في العهد القديم، نُقشت وصايا الله على ألواحٍ حجريَّة (راجع خر 31: 18؛ تث 9: 10)، أمَّا في العهد الجديد، فقد نقش الله شريعته بروحه القدُّوس على ألواح القلب اللَّحميَّة، كما سبق فوعد: "وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل في أحشائكم روحًا جديدًا وأنزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم قلبًا من لحم. وأجعل روحي في أحشائكم وأجعلكم تسيرون على فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها" (حز 36: 26-27).
يرى بولس نفسه أشبه بالحِبر الَّذي به يُسجّل الروح القدس إنجيل المسيح في داخل قلوب أهل قورنتس. وما بشّر به ليس عمله الخاصّ، بل "رسالة المسيح"، إذ صار أهل قورنتس إنجيلًا عمليًّا يُقرأ مِن قِبَل جميع النَّاس، بعد أن يكون الروح القدس قد سجَّل الإنجيل في قلوبهم وحوَّلها لتكون مسكن الله. 

4 تِلْكَ هيَ الثِّقَةُ الَّتي لَنَا بِالـمَسِيحِ عِنْدَ الله،
5 وهِيَ أَنَّنا لا نَقْدِرُ أَنْ نَدَّعيَ شَيْئًا كأَنَّهُ مِنَّا، بَلْ إِنَّ قُدْرَتَنا هِيَ مِنَ الله،
6 فهوَ الَّذي قَدَّرَنَا أَنْ نَكُونَ خُدَّامًا لِلعَهْدِ الـجَدِيد، لا لِلحَرْفِ بَلْ لِلْرُّوح، لأَنَّ الـحَرْفَ يَقْتُلُ أَمَّا الرُّوحُ فَيُحْيِي.

ردًّا على الَّذين يثقون بأنفسهم و"يقيسون أنفسهم بأنفسهم، ويقارنون أنفسهم بأنفسهم" (2 قور 10: 12)، أصرَّ بولس أنَّ ثقته تأتي "من المسيح" (2 قور 3: 4). فثقة بولس كانت مختلفةً لأنَّه "لا يقدر أن يدَّعي شيئًا كأنَّه منه، بل إنَّ قدرته هي من الله" (2 قور 3: 5). تصميم الله أعظم بكثير من أن يتمكَّن أيُّ خادمٍ بشريّ من تنفيذه. ربَّما ادَّعى بعض المبشّرين، من خلال "رسائل التوصية" الخاصَّة بهم، أنَّهم مؤهَّلون لهذه المهمَّة. لكنَّ العلامة الحقيقيَّة الَّتي تميّز الرسول هي إدراكه بعدم كفاءته؛ لكنَّه رغم ذلك، يثق بخدمته.
كلمة بولس عن "القدرة" أو "الأهليَّة" (باليونانيَّة hikanos) مهمَّة في كلامه إلى أهل قورنتس، ربَّما لأنَّ البعض ادَّعى أنَّه "قادرٌ" أو "أهلٌ. فبعد أن تكلَّم بولس، في الفصل الثَّاني من الرسالة، على انتصار الله، ختم بسؤالٍ: "مَن تُراهُ أهلٌ لديكَ؟" (2 قور 2: 16)، الَّتي تشتمل على الإجابة الضمنيَّة: "لا أحد"! تكمن المفارقة في أنَّ بولس يعترف بأنَّه "ليس أهلًا" للخدمة، ولكنَّه يتكلَّم بثقة. والسبب هو أنَّ "قدرته (أهليَّته) هي من الله، الَّذي قدَّره (أهَّله) أن يكون خادمًا للعهد الجديد، لا للحرف بل للروح، لأنَّ الحرف يقتل أمَّا الروح فيُحيي" (2 قور 3: 5ب- 6).

خلاصة روحيَّة
تجنَّب الرسول بولس كلّ ما يمكنه أن يؤول إلى الاعتماد على الذَّات في التبشير بالإنجيل، وأن يشوّه رسالته. فالاعتماد على القوى الشخصيَّة، والقدرات العقليَّة، إغراءات تضرُّ الكنيسة وتدمّر النفس.
غالبًا ما نتعرَّض لخطر تعداد الإحصاءات، الَّتي تُشبه "رسائل التوصية" (2 قور 3: 1)، الَّتي تسرد إنجازاتنا. قد نغرق، مثل رجال برج بابل، الَّذين أرادوا أن "يصنعوا لهم اسمًا" (تك 11: 4)، في بناء علاقاتٍ تبني لنا مكانةً وتؤمّن لنا احترام الآخرين. وقد نقع في خطر تقييم المعلّمين والمبشرّين بمعايير مُصطنعة للنجاح. هنا يبرز ردُّ القدّيس بولس على "الاعتماد المفرط على النفس"، لأنَّ الثقة ليست في قدراتنا، بل في حقيقة أنَّنا "نحمل في أنفسنا قضاء الموت، لئلَّا نتَّكل على أنفسنا، بل على الله الَّذي يُقيم الأموات" (2 قور 1: 9).


تحميل المنشور