كَسر الكلمة - الرسائل -15- الأحد الثالث بعد الدنح

كَسر الكلمة - الرسائل -15- الأحد الثالث بعد الدنح

الأحد الثَّالث بعد الدنح: اعتلان سرّ المسيح لنيقوديموس واليهود
(غل 3: 23-29)
23 فَقَبْلَ أَنْ يَأْتيَ الإِيْمَان، كُنَّا مُحْتَجَزِينَ مَحبُوسِينَ تَحْتَ الشَّرِيعَة، إِلى أَنْ يُعْلَنَ الإِيْمَانُ الـمُنْتَظَر.
24 إِذًا فَالشَّرِيعَةُ كَانَتْ لَنَا مُؤَدِّبًا يَقُودُنَا إِلى الـمَسِيح، لِكَيْ نُبَرَّرَ بِالإِيْمَان.
25 فَلَمَّا أَتَى الإِيْمَان، لَمْ نَعُدْ تَحْتَ مُؤَدِّب؛
26 لأَنَّكُم جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بَالإِيْمَان، في الـمَسِيحِ يَسُوع.
27 فأَنْتُم جَمِيعَ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُم في الـمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ  الـمَسِيح.
28 فلا يَهُودِيٌّ بَعْدُ ولا يُونَانِيّ، لا عَبْدٌ ولا حُرّ، لاَ ذَكَرٌ ولا أُنْثَى، فإِنَّكُم جَمِيعًا وَاحِدٌ في الـمَسِيحِ يَسُوع.
29 فَإِنْ كُنْتُم لِلمَسِيح، فأَنْتُم إِذًا نَسْلُ إِبْراهِيم، ووَارِثُونَ بِحَسَبِ الوَعْد.

مقدّمة
في الأحدِ الثَّالثِ بعدَ الدِّنحِ، تدعونا الكنيسةُ إلى تذكُّرِ هويَّتِنا السّماويَّةِ الّتي اكتسبْناها في سرِّ المعموديَّةِ. ففي الرّسالةِ إلى أهلِ غلاطية (غل 3: 23-29)، يذكّرُ القدّيسُ بولسُ كلَّ واحدٍ منَّا بهذه الهويَّةِ بقولِهِ: "فأنتم جميعُ الَّذين اعتمدتم في المسيحِ قد لبِسْتُم المسيحَ" (غل 3: 27). ولا يمكنُ لإنسانٍ أنْ يلبَسَ المسيحَ إلَّا إذا خلَعَ إنسانَه العتيقَ (راجع أف 4: 20-24؛ قول 3: 9-10). الوصولُ إلى إلهٍ هو حلمُ البشريَّةِ منذ بدايتِها. هذا ما يصوّرُه سفرُ التّكوين بشرحِهِ أنَّ آدم أرادَ أن يصيرَ إلهًا من دون اللهِ، فخابَ أملُه، وكلُّ ما حصلَ عليه هو أنَّه اكتَشَفَ عُريَهُ. لذلك، صار ابنَ اللهِ إنسانًا ليجعلَ من كلّ إنسانٍ ابنًا لله، ويُلبسنا مجدَه.

شرح الآيات
23 فَقَبْلَ أَنْ يَأْتيَ الإِيْمَان، كُنَّا مُحْتَجَزِينَ مَحبُوسِينَ تَحْتَ الشَّرِيعَة، إِلى أَنْ يُعْلَنَ الإِيْمَانُ الـمُنْتَظَر.
قد يكونُ للتعبيرَين "محتجزين" (efrouroumetha) و"محبوسين" (sunkekleisménoi) صلةٌ بالسّجنِ. ربَّما يتمّ تصويرُ الشَّريعةِ هنا مجازيًّا كحارسِ السّجنِ. غيرَ أنَّه في إطارِ النّصّ، لهذَين المصطلحَين صلةٌ بدورِ "المؤدِّبِ" (غل 3: 24، 25). في هذه الحالةِ، تعملُ الشّريعةِ كمؤدّبٍ، أي كقوَّةِ كبحِ الجماحِ عندما كانَتْ ساريةً المفعولِ.

24 إِذًا فَالشَّرِيعَةُ كَانَتْ لَنَا مُؤَدِّبًا يَقُودُنَا إِلى الـمَسِيح، لِكَيْ نُبَرَّرَ بِالإِيْمَان.
الكلمة اليونانيَّة paidagogós المترجمة هنا "مؤدّبًا"، هي كلمة مركَّبة تجمع بين país (طفل) و agogós (مرشد). وتعني هذه الكلمةُ حرفيًّا "مرشدَ الطّفلِ". كان الــ paidagogós عادةً هو عبدًا لأسرةٍ والمسؤولَ عن تقديمِ توجيهاتٍ للولدِ حتَّى يبلغَ مرحلةِ الرُّشدِ. لم يكنْ "مديرَ مدرسةٍ" أو "المعلّمَ" (didaskalos)، بل مَن يحرسُ الطفلَ أو يرافقُه إلى الصَّفِّ الدِّراسيّ. فكان مرشدًا أخلاقيًّا، وحاميًا، ومؤدّبًا صارمًا.
كان العبدُ الَّذي يصطحبُ الطِّفلَ، يراقبُ شؤونَ الصّبيّ بعد أنْ يتركَ رعايةَ الممرّضةِ. وكانَ دوامُه كاملًا: يوقظُ الطِّفلَ في الصّباحِ ويأتي به إلى السَّريرِ في اللَّيلِ. وكان هذا العبدُ مسؤولًا عن تعليمِ الصّبيّ حُسْنَ السُّلوكِ، كالجلوسِ والمشي بطريقةٍ صحيحةٍ، والوقوفَ في محضرِ الشُّيوخِ، وعدمَ الإفراطِ في تناولِ الطعامِ، وأن لا يكونَ كثيرَ الإزعاجِ. إذا كان الصبيُّ غيرَ طائعٍ، فإنَّ العبدَ الحارسَ يجلدُه بسوطٍ أو عصًا.
عندما يأخذُ الـــ paidagogós الصبيُّ إلى المدرسةِ، يحملُ معه لوحاتِه الكتابيَّةِ وكتبِه وآلتِه الموسيقيَّةِ. ينتظرُه هناك، سواءَ في حجرةِ الدّراسةِ أم في غرفةٍ خاصَّةٍ للعبيد الحرَّاس. بعد الحصص المدرسيَّة، يرافَقُ الطفلُ إلى المنزلِ ويجعلُه يحضِّرُ دروسَهُ. عندما يكون الطفل قاصرًا، يفرضُ العبدُ الحارسُ بعضَ القيودِ الضّروريَّة على حريَّتهِ، حتَّى يُتَمَكَّنَ الوثوقَ به عند بلوغه سنَّ الرُّشدِ، ليستخدمَ حريَّته بمسؤوليَّة.
كان القاصر تحت إشراف الحارسِ من حوالي سنّ السَابعةِ حتَّى أواخرِ سنِّ المراهقةِ. والزّمانُ المحدَّد لإنهاءِ هذه العلاقة يعتمد على "الوقتِ الَّذي يحدّده الأبُ" (غل 4: 2). عندما يبلغ الابنُ مرحلةَ الرُّشدِ، لا يكونُ بعدُ تحتَ "الأوصياء والوكلاء" (غل 4: 2)، بل يُطلق سبيلُه.
قامَتِ الشَّريعةُ بدورٍ مهمٍّ في كونِها أعدَّتْ الناسَ للإيمانِ بالمسيحِ (الرُّشد). أرشدَتِ اليهودَ لطبيعةِ اللهِ وأدانَتْهم بالخطيئةِ. فكانَتْ هذه الميّزاتُ الهامَّةُ ضروريَّةً في اقتيادِهم إلى الخلاصِ بيسوعَ المسيحِ. 

25 فَلَمَّا أَتَى الإِيْمَان، لَمْ نَعُدْ تَحْتَ مُؤَدِّب؛
كان عمل الشريعة كالحارس، لفترةٍ محدودة فقط، والقصدُ منها تنظيمُ سلوكِ شعبِ اللهِ حتَّى مجيءِ المسيحِ، أي مرحلةِ الرُّشدِ. إنَّ رجوعَ الشَّخصِ إلى الشَّريعة كطريقةٍ للحياة يكون شبيهًا بشابٍّ يرجع إلى إشراف حرّاسه بعدما أصبحَ حرًّا طليقًا. فإنَّه بذلك يتخلَّى عن الحرّيَّةِ، والحقوقِ، والامتيازاتُ الَّتي تمتَّعَ بها ببلوغِه سنِّ الرُّشدِ (راجع غل 4: 1-7).

26 لأَنَّكُم جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بَالإِيْمَان، في الـمَسِيحِ يَسُوع.
انتقلَ بولسُ من صيغةِ المتكلّمين (نحن اليهود) إلى صيغةِ المخاطَبِين (لأنَّكم أنتم المسيحيّين الَّذين في غلاطية)، لكنَّه يتوجَّه إلى كلٍّ من اليهود والأمم الَّذين أصبحوا مسيحيّين.
استخدم بولس عمدًا عبارة "أبناء الله" – التعبيرُ الَّذي يشيرُ في الأوساطِ اليهوديَّةِ إلى إسرائيلَ حصْرًا (راجع خر 4: 22؛، 23؛ تث 14: 1، 2؛ هو 11: 1) – وطبَّقها على جميعِ المسيحيّين، يهودًا كانوا أو أممًا. جميعُهم كانوا "أبناءَ الله"، ليس بسببِ تمسُّكُهم بالنَّاموسِ، بل بفضلِ الإيمانِ بالمسيحِ يسوعَ. 

27 فأَنْتُم جَمِيعَ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُم في الـمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ  الـمَسِيح.
واصلَ بولسَ حديثَه موضِّحًا مبدأَ الإيمانِ هذا إذ قال: "أنتم جميعُ الَّذين اعتمدتُم في المسيحِ قد لبِسْتُم المسيحَ". عندما آمنَ أهلُ غلاطية برسالةِ الإنجيلِ "اعتمدوا" (ebaptisthete)، أي غطسوا في الماءِ. عندما يتعمَّدُ المؤمنُ في المسيحِ، يتَّحدُ معه وينالُ بركاتِ موتِه وقيامتِهِ. فالمؤمنُ نفسُه يموتُ عن الخطيئةِ في ماءِ المعموديَّةِ ويقومُ ليحيا حياةً جديدةً (راجع روم 6: 3، 4؛ قول 2: 12). وصفَها بولسُ هنا بالعبارةِ "لبِسْتُم المسيحَ"، والَّتي تشيرُ إلى التَّسَرْبُلِ بِبِرِّهِ ِ(راجع 2 قور 5: 21). 

28 فلا يَهُودِيٌّ بَعْدُ ولا يُونَانِيّ، لا عَبْدٌ ولا حُرّ، لاَ ذَكَرٌ ولا أُنْثَى، فإِنَّكُم جَمِيعًا وَاحِدٌ في الـمَسِيحِ يَسُوع.
نجدُ في هذه الآية ثلاثةَ أبعادٍ للهويّةِ وسْطَ المجتمعِ القديمِ: الانتماءُ العرقيّ (يهوديّ/يونانيّ)، الحالةُ الاجتماعيّة (عبدٌ/حرٌّ)، والجنسُ (ذكرٌ/أثنى). في النّصّ اليونانيّ، يذكرُ بولسُ البعدَ الثَّالثَ بطريقةٍ مختلفةٍ عن البُعدَين الأوَّلين، حيْثُ يستخدِمُ "لا...ولا..." ((ouk…oude… مُعربًا عنِ التّعارُضِ، بينما يجمعُ في البُعدِ الثَّالثِ "لا ذكرٌ وأُنثى" (arsen kai thêly).
هذا ما يقودُنا حرفيًّا إلى روايةِ الخلقِ الأولى، في بدايةِ الكتابِ المقدَّسِ؛ حيثُ نقرأُ في التَّرجمةِ السَّبعينيَّةِ: "خلقَ اللهُ الإنسانَ (anthrôpon)، على صورةِ اللهِ خلقِه، ذكرًا وأنثى (arsen kai thêly) خلقَهم" (تك 1: 27). يبدو بولسُ وكأنّه يؤكّدُ على تبايُنِ الخليقةِ الأولى مع الخليقةِ الجديدةِ حيثُ الجميعُ "واحدٌ (heis) في المسيحِ يسوعَ" (غل 3: 28).
لكنَّ مساواةَ الَّذين "في المسيحِ يسوعَ" لا تُلغي الحقيقةَ أنَّ اللهَ قد وضعَ التّمييزَ بينَ أدوارِ الجنسَين في الكنيسةِ وفي البيتِ. على الرُّغم من وجودِ أدوارٍ مختلفةٍ، إلَّا أنَّهما يشتركان في وضعٍ متساوٍ في ملكوتِ اللهِ.

29 فَإِنْ كُنْتُم لِلمَسِيح، فأَنْتُم إِذًا نَسْلُ إِبْراهِيم، ووَارِثُونَ بِحَسَبِ الوَعْد.
اختتمَ بولسُ هذا القسمَ من رسالتِه بتحديدِ الهويَّةِ: الَّذين هم في المسيحِ، هم من حيثُ الهويَّةِ "نسلُ إبراهيم". مكانتُهم المتميّزة في المسيح، جعلتهم "ورثةً بحسبِ الوعدِ"، أي الوعدُ الَّذي قطعَه الله مع إبراهيمَ. لذلك، فإنَّ المسيحيّين الأمميّين هم نوالُ موعدِ اللهِ بالإيمانِ؛ لا يحتاجونَ إلى إتّباعِ شريعةِ موسى.

خلاصة روحيَّة
نشأتْ كنائسُ مقاطعةِ غلاطية في بيئةٍ تعجُّ بالثقافاتِ المتعدّدة، فعكسَتْ صورةَ الجماعاتِ الَّتي ضمّت مؤمنين من أصلٍ يهوديّ ومن أصلٍ وثنيّ. لذلك، سرعان ما برزَ الخلافُ بين المؤمنين مع بداية ِتأسيسِها، حيث أصرَّ مَن هم من أصلٍ يهودي على وجوبِ تطبيقِ أحكامِ الشّريعة اليهوديَّة على جميعِ المؤمنين، معتبرين أنَّ المسيحيةَ انبثقَتْ مِن اليهوديةِ وجاءَتْ مكمِّلةً لها، في حينِ عارضَ الَّذين هم مِنْ أصلٍ وثنيٍّ هذا الإصرارَ، كونهَم غرباءَ عن تلك الشَّريعةِ، وبخاصَّةٍ لجهةِ مسألةِ الختانةِ.
في هذا المناخِ الحادّ، وجَّه بولسُ الرَّسولُ رسالتَه إلى الكنيسةِ في غلاطيةِ، يشرحُ فيها للمؤمنين ماهيَّةَ الشريعةِ ودورَها، مشبّهًا إياها بالـ"مؤدّبِ" الَّذي يقتصر دورّه على أن يقودَ الشعوبَ إلى المسيحِ لتتبرَّر به؛ ومتى تبرّرَتْ هذه الأخيرةُ بالإيمانِ، لا تعودُ بحاجةٍ إلى "مؤدّبٍ"، لأنّ المسيحَ في ذاتِه قد حلَّ معها وفيها، حينَ لبِسَتْه في معموديَّتها.
لعلّ واقعَ كنيسةِ غلاطيةَ يشبهُ واقعَ كنيستِنا اليومَ، رغمَ مرورِ حوالي ألفي سنةٍ، إذ لا نزال نشهدُ انقساماتٍ داخلَ الجماعةِ الواحدةِ، لا لأسبابٍ لاهوتيَّة كما في غلاطية، بل لاعتباراتٍ شخصيَّة ضيّقة، كخلافٍ أخٍ مع أخيه على مترِ أرضٍ، أو خلافِ جارةٍ مع جارتِها على خلفيَّةِ حديثٍ سخيفٍ مَنْقُولٍ، أو خلافِ صَدِيقَين حميمَين لخلافِ زعمائهما على اقتسامِ "قطعةٍ الجبنِ" في صفقةٍ ما، ... إلخ. وعند كلّ خلافٍ، يتمسَّك كلُّ طرفٍ بموقفه متعنّتًا، مُصِرًّا على صوابيَّة مواقفِه المزعومةِ.
فالرسالةُ إلى أهلِ غلاطيةِ تذكّرنا اليوم بأنَّنا لم نُدْعَ لنُثبِتَ برَّ أنفسِنا، لأنَّنا في المسيحِ أصبحنا كلُّنا واحدًا بالرُّغمِ من أدوارِنا المختلفةِ.


تحميل المنشور