كَسر الكلمة -15- أحد الكهنة

كَسر الكلمة -15- أحد الكهنة

أحد الكهنة
الوكيلُ الأمينُ
( لوقا 12/ 42-48)
42. فَقَالَ الرَّبّ: "مَنْ تُرَاهُ الوَكِيلُ الأَمِينُ الـحَكِيمُ الَّذي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُم حِصَّتَهُم مِنَ الطَّعَامِ في حِينِهَا؟
43. طُوبَى لِذـلِكَ العَبْدِ الَّذي، مَتَى جَاءَ سَيِّدُهُ، يَجِدُهُ فَاعِلاً هـكذَا!
44. حَقًّا أَقُولُ لَكُم: إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ مُقْتَنَياتِهِ.
45. أَمَّا إِذَا قَالَ ذـلِكَ العَبْدُ في قَلْبِهِ: سَيَتَأَخَّرُ سَيِّدِي في مَجِيئِهِ، وَبَدأَ يَضْرِبُ الغِلْمَانَ وَالـجَوَارِي، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَسْكَر،
46. يَجِيءُ سَيِّدُ ذـلِكَ العَبْدِ في يَوْمٍ لا يَنْتَظِرُهُ، وَفي سَاعَةٍ لا يَعْرِفُها، فَيَفْصِلُهُ، وَيَجْعلُ نَصِيبَهُ مَعَ الكَافِرين.
47. فَذـلِكَ العَبْدُ الَّذي عَرَفَ مَشِيئَةَ سَيِّدِهِ، وَمَا أَعَدَّ شَيْئًا، وَلا عَمِلَ بِمَشيئَةِ سَيِّدِهِ، يُضْرَبُ ضَرْبًا كَثِيرًا.
48. أَمَّا العَبْدُ الَّذي مَا عَرَفَ مَشِيئَةَ سَيِّدِهِ، وَعَمِلَ مَا يَسْتَوجِبُ الضَّرْب، فَيُضْرَبُ ضَرْبًا قَلِيلاً. وَمَنْ أُعْطِيَ كَثيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ الكَثِير، وَمَنِ ائْتُمِنَ عَلَى الكَثِيرِ يُطالَبُ بِأَكْثَر.

مقدّمة
بين الدنح والصوم، تأتي أسابيع التذكارات، وهي ثلاثة نذكر فيها الكهنة، الأبرار والصّديقين والموتى عمومًا. ونحن على مشارف الصوم تدعونا الكنيسة لنتذكّرَ أنّنا في غربة هذه الحياة نسير نحو اللقاء الحقيقي مع الربّ. متذكّرين مَن سبقونا إلى هذا اللقاء وأصبحوا علامات رجاء لنا وللعالم.
في مطلع هذه التذكرات "أحد الكهنة" وهمْ وكلاءُ السيّدِ والمسؤولون عن خرافه. لذلك تضعُ الكنيسة أمامنا "مثل الوكيل الأمين"، وتؤكّد على المسؤوليّة الكبيرة الّتي تقعُ على عاتق الكاهن الّذي سَيُدان على عطيّة الدعوة الّتي أعطيت له لخدمة إخوته. فبعدما وجّه المسيح كلامه للتلاميذ والجموع داعيًا إيّاهم إلى ضرورة السّهر والاستعدادِ لمجيءِ السّيّد، يأتي هذا المثلُ كجوابٍ على سؤالِ بطرس في الآية 42 وفيه يتوجّه بكلامٍ مباشرٍ للتّلاميذ. التّلميذ كالوكيل الأمين مدعوٌّ للانتباه ليس على نفسه وحسب، إنّما على الجماعة التي أوكِلَتْ إليه خدمتها.

شرح الآيات
42. فَقَالَ الرَّبّ: "مَنْ تُرَاهُ الوَكِيلُ الأَمِينُ الـحَكِيمُ الَّذي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُم حِصَّتَهُم مِنَ الطَّعَامِ في حِينِهَا؟
الوَكِيلُ : يتفرّد لوقا باستخدام هذه الكلمة (16: 1، 3، 8)، وتعني في اللغة اليونانية (economos) الذي يدير شؤون البيت ويضع القوانين له، وتعني أيضًا الرجل المرموق (راجع 1 كور 4: 1-2). كلّ ما هو بين يديه ليس ملكًا له، بل هو مؤتمن عليه من قبل المالك.
 يعطي لوقا صفتين لهذا الوكيل، هو "الأمين" وهذه صفة تربطه بسيّده، فالأمانة هي للسيّد الذي أوكله وتعني العمل بإرادة هذا السيّد. الأمانة، هي صِفة تُنْسَب في الكتاب المقدس إلى كلٍّ مِنَ الله والإنسان. فهي تشير إلى ثبات الله ووفائه بوعوده مع شعبه. فاللهُ هو ثابتٌ وأمينٌ في حفظ مواعيده، وثباته من جيلٍ إلى جيل، ولهذا فهو جدير بالثقة. في العهد الجديد يعطى يسوع هذه الصفة في الرسالة إلى العبرانيين، حيث يطلق عليه لقب " رئيس الكهنة الأمين " (راجع عب 2 : 17، 3: 2 و6)، للتعبير عن أمانته وثباته في تحقيق إرادة أبيه عبر تتميمه العمل الخلاصي. لذا عندما يعطي الربّ يسوع صفة الأمانة للوكيل، نفهم منها الثبات والأمانة في تتميم إرادة السيّد حتى النهاية. هذه الأمانة يعيشها الوكيل تجاه ثلاثة: لموكِلِهِ (وفي إطار النّص هو السيّد أي لله)، وللأشخاص الموكَّل عليهم (وهم خدم السيّد أي شعب الله)، وللرسالة أو الخدمة التي أوكلت إليه (إعطاء الطعام في حينه أي خدمة الكلمة وخدمة المائدة وبالتالي الخدمة الكهنوتيّة).
وهو"الحكيم": الحكمة في الكتاب المقدّس هي موهبة من مواهب الروح التي تساعدُ الإنسانَ على توجيهِ حياتِه في العالمِ وعلى التّمييز واختيار الله والعمل بإرادته. ورأسُ الحكمةِ في الكتابِ المقدّس هو مخافة الله، أي العيش بحضوره، وتذكّره في كلّ حين والعمل بمقتضياتِ شريعتِه. فالوكيلُ الحكيمُ هو من يجيد التّصرّف في غياب موكله.
 هذا الوكيل أُقيمَ على الخدم "يقيمه سيّده على خدمه"، فهو ليس مثلهم، وهذا لا يعني بالضرورة أنه أفضل منهم، بل يقصد أنه مسؤول عنهم. في كلامه على الجموعِ (أي للحلقة التي هي أوسع من التلاميذ) أعطى الرب صفة "عبد" (لو 12:  37) اما التلميذ فهو "الوكيل" أو "القيّم"، اي حامل مسؤولية باقي العبيد.  نفهم من هذا أنّ الوكيل ليس أهمّ أو أعلى شأنًا من العبد، لأنّه في الآية اللاحقة يعود الرب فيسميه "عبدًا" ليذكّره أنّ مسؤوليته ليست للاستعلاء على سائر العبيد، إنّما لتدبير أومورهم وخدمتهم، فالوكيل هو واحدٌ من العبيد، دعي لخدمة أخوته.
الخدمة الأساسيّة المطلوبة من الوكيل هي إعطاء الطعام في حينه، أي اعطاء أخوته الغذاء اللازم الذي يحافظ على حياتهم، وبالتالي هو يحمل مسؤوليّة عظيمة تجاههم، الحفاظ على حياتهم. الطّعام، وُهِبَ له ليعطيه لأخوته، والحياة، وُهِبَتْ لهم وعليه أيضًا أن يحافظ عليها من أجلهم. إنّه وكيل على هاتين الهبتين: حياة اخوته وغذائهم، يذكّرنا هذا الأمر بآية "تكثير الأَرْغِفَةَ الـخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَين" (لو 9: 16)، حيث ناول يسوع تلاميذه الطعام ليقدموه بدورهم للجموع. أمّا عبارة "في حينه" هي دلالة على ضرورة اليقظة والسهر والتمييز في الخدمة الموكلة إلى الوكيل. فهي عملًا مستدامًا يتكرّر كلّ يوم. لذلك يتطلّب من الوكيل استعدادًا دائمًا وسهرًا دؤوبًا لمعرفة حاجات إخوته وتلبيتها عندما تدعو الحاجة.

43. طُوبَى لِذـلِكَ العَبْدِ الَّذي، مَتَى جَاءَ سَيِّدُهُ، يَجِدُهُ فَاعِلاً هـكذَا!
44. حَقًّا أَقُولُ لَكُم: إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ مُقْتَنَياتِهِ.

الــ "طوبى" عبارة تعني سعادة أو تهنئة، سلامًا أم فرحًا، راحةً أم بركةً، أم خلاصًا. …. وهي ترد كثيرًا في الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد (مز 111: 1 وما يليه، مز 127: 1 وما يليه، مز118: 1 وما يليه، ... أمثال 8: 34 وما يليه، أمثال 3: 13وما يليه…، سيراخ 14 :20 ، لو 1: 45، لو 11: 27 -28، متى 5: 1 – 12متى 11: 6، …). ليس المقصود بالتطويبات أُمنية أو وعد سيتحقّق في المستقبل، بل هي إعلان آنيّ يتحقّق لمن تعلن لهم في الوقت الحاضر. فالتطويبات صرخة توقظ المستمع المؤمن ليعي أنّ لديه كلّ أسباب السعادة والفرح والسلام والخلاص في اللحظة الحاضرة. فالعبد الأمين يكافأ على أمانته واستعداده، لأنّه يعيش ملء الزمن إذ ينتظر في كلّ لحظة مجيء سيده.
يقيمه سيّده على جميع مقتنياته: أي يشركه في كلّ ما يملك ، يصبح شريكًا له في ملكوته. فالأمانة للخدمة في هذه الحياة هي الضمانة للمشاركة في ملء الحياة.

45. أَمَّا إِذَا قَالَ ذـلِكَ العَبْدُ في قَلْبِهِ: سَيَتَأَخَّرُ سَيِّدِي في مَجِيئِهِ، وَبَدأَ يَضْرِبُ الغِلْمَانَ وَالـجَوَارِي، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَسْكَر،
"إِذَا قَالَ ذـلِكَ العَبْدُ في قَلْبِهِ": القلب في لغة الكتاب المقدس يختصر كلّ كيان الإنسان ووجوده، هو وبحسب تعريف البابا بنديكتس السادس عشر: "القلب هو ذلك الواقع الذي يجد فيه الكائن البشري وحدته وتوجهه الداخلي". إذًا كلمة قلب تختصر رغبات الانسان وتوجّهه واهتمامه وغريزته.
"سَيَتَأَخَّرُ سَيِّدِي في مَجِيئِهِ": هذه العبارة تعكس واقع الجماعة المسيحيّة الأولى، تحديدًا الجماعة التي يتوجّه إليها لوقا. هذه الجماعة كانت تتوقع مجيء السيّد القريب، ومع مرور الوقت، وتفاقم الاضطهادات اعتقد البعض أنّ مجيء المسيح سيتأخّر بالمعنى الزّمني فتراخوا في أسلوب حياتهم المسيحيّة وتراجعوا في التزامهم.
نفهم من هذا الشرح أنّ هذا العبد منقسم على ذاته، فهو دعيَ لخدمة أخوته وبالتالي لمحبّتهم ورحمتهم والعناية بهم، أي ليكون على صورة سيّده، أمّا حقيقته تظهر العكس: إذا بدأ يَضْرِبُ الغِلْمَانَ وَالـجَوَارِي، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَسْكَر، أي أنّه لم يستطِع أنّ يخدم بأمانة لأنّه لا يحبّ ومنقسم على ذاته.

46. يَجِيءُ سَيِّدُ ذـلِكَ العَبْدِ في يَوْمٍ لا يَنْتَظِرُهُ، وَفي سَاعَةٍ لا يَعْرِفُها، فَيَفْصِلُهُ، وَيَجْعلُ نَصِيبَهُ مَعَ الكَافِرين.
نجهل اليوم والساعة في هذه الآية، والكلمتان تشيران الى البعد الاسكاتولوجي لمجيء الربّ. مجيء لا يمكننا تحديده أو توقعه. إنّها دعوة للسهر والثبات في المحبّة والخدمة.
أمّا مصير ذلك العبد فهو "الفصل" اي الخروج من هذه الشراكة التي كانت تجمعه بالسيّد. لقد دعي هذا الوكيل ليشارك سيّده في محبّته تجاه عبيده، فلم يكن أهلًا لهذه الدعوة السّاميّة، أي أنّه أحبّ ذاته أكثر من حبّه لسيّده ولِخَدَمِ سيّده، وبالتالي عاشَ حالةَ انفصال داخليٍّ، أي أنّ قلبه كان مشتّت وغير موّحد بالسيّد والعبيد. نتيجة هذا الانفصال الداخلي وعدم القدرة على الحبّ، كان الانفصال الخارجي عن الله والجماعة، وبالتالي أصبح مصيره مع الكافرين اي الرافضين لله ولعيش حبّه.

47. فَذـلِكَ العَبْدُ الَّذي عَرَفَ مَشِيئَةَ سَيِّدِهِ، وَمَا أَعَدَّ شَيْئًا، وَلا عَمِلَ بِمَشيئَةِ سَيِّدِهِ، يُضْرَبُ ضَرْبًا كَثِيرًا.
48. أَمَّا العَبْدُ الَّذي مَا عَرَفَ مَشِيئَةَ سَيِّدِهِ، وَعَمِلَ مَا يَسْتَوجِبُ الضَّرْب، فَيُضْرَبُ ضَرْبًا قَلِيلاً. وَمَنْ أُعْطِيَ كَثيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ الكَثِير، وَمَنِ ائْتُمِنَ عَلَى الكَثِيرِ يُطالَبُ بِأَكْثَر.

مسؤوليّة العبد مرتبطة بمدى معرفته بمشيئة سيّده، والعمل بمقتضاياتها. في إنجيل يوحنا يؤكّد الربّ يسوع: " طعامي أنْ أعمَلَ مَشيئَةَ الذي أرسَلَني وأُتَمِّمَ عَمَلهُ" (يو 4: 34)، لذلك يبقى هو الصورة المثلى للعبد الأمين الذي يعرف مشيئة سيّده ويعمل بها. هذه المعرفة هي الدخول في شراكة مع الله، والعمل بها هو تجسيد لحبّه تجاه من ائتمنّا على خدمتهم. من أعطي كثيرًا وائتمن على الكثير هو من اختبر حبّ الله في حياته من خلال اكتشافه للهبة التي منحه إياها الله، فالوكيل هو من اختير من بين اخوته ليجسّد حضور السيّد في وسطهم وحبّه ورحمته تجاههم. هذه العطيّة هي مسؤوليّة وهبة يجب أن يؤدّيها بأمانة وحكمة وسيحاسَبُ عليها.

خلاصة روحيّة
في أحد الكهنة نتذكّر الأحبار والكهنة الذين سبقونا بعد أن خدموا الكنيسة. هم الذين دعاهم السيّد ووهبهم عطيّة الدعوة الكهنوتيّة وسألهم كما سأل بطرس "أتحبّني؟ إرعَ خرافي". فرعاية الخراف هي "إعطاء الطعام في حينه"، هي اليقظة والانتباه إلى حاجات الآخرين واعطائهم الحياة الحقيقيّة، أي اشراكهم في حياة الملكوت من خلال اعلان الكلمة وكسر الخبز. هذه الخدمة تشترط أمرًا واحدًا هو "الحبّ"، حبّ السيّد وحبّ خدمه. سيُحاسب التلاميذ وفي طليعتهم الكهنة على حبّهم لله ولشعبه، لأنّ الحبّ هو أساس كلّ خدمة كهنوتيّة. فطوبى للكهنة الذين عاشوا في حياتهم ملء الحبّ للربّ ولكنيسته.
في زمن التذكارات، نحن مدعوون للسهر واليقظة وبالتالي لعيش ملء الزّمن، أي لاستثمار الوقت والطاقات التي منحنا إياها الربّ من أجل خدمة الآخرين، فالتلميذ الحقيقيّ لا يمكنه أن يعيش لنفسه، أو أن يتراخى في عيش الزّمن. الوقت هو عطيّة الله لنا، لنعيش خدمتنا بملئها. لا يمكن للكهنة أن يستقيلوا من خدمتهم في زمن تُقفل فيه الكنائس لأسباب خارجة عن إرادتهم، بل على العكس، شعبهم أكثر من أي وقتٍ مضى، يحتاج إلى من يعطيه الطعام في حينه، يحتاج إلى من يكسر له الكلمة ويعطيها خبزًا طيبًا للحياة الأبديّة.


تحميل المنشور