كَسر الكلمة -5- أحد زيارة العذراء

كَسر الكلمة -5- أحد زيارة العذراء

أحد زيارة العذراء

(لو 1/ 39 - 45)
39. وفي تِلْكَ الأَيَّام، قَامَتْ مَرْيَمُ وَذَهَبَتْ مُسْرِعَةً إلى الـجَبَل، إلى مَدِينَةٍ في يَهُوذَا.
40. ودَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا، وسَلَّمَتْ عَلَى إِليصَابَات.
41. ولَمَّا سَمِعَتْ إِلِيصَابَاتُ سَلامَ مَرْيَم، ارْتَكَضَ الـجَنِينُ في بَطْنِها، وَامْتَلأَتْ مِنَ الرُّوحِ القُدُس.
42. فَهَتَفَتْ بِأَعْلَى صَوتِها وقَالَتْ: "مُبارَكَةٌ أَنْتِ في النِّسَاء، وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!
43. ومِنْ أَيْنَ لي هـذَا، أَنْ تَأْتِيَ إِليَّ أُمُّ ربِّي؟
44. فَهَا مُنْذُ وَقَعَ صَوْتُ سَلامِكِ في أُذُنَيَّ، ارْتَكَضَ الـجَنِينُ ابْتِهَاجًا في بَطْنِي!
45. فَطُوبَى لِلَّتي آمَنَتْ أَنَّهُ سَيَتِمُّ ما قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبّ!".


مقدّمة 
بعد البشارة الأولى والثانية، تأتي البشارة الثالثة، في زيارة مريم لإليصابات. هذه المرّة لم يأتِ الملاك جبرائيل حاملًا السلام، هي مريم تحمل الخبر السَّارّ والسّلام وتقوم مسرعةً، لتكون في خدمة نسيبتها، فيها يتحقّق رمزُ تابوت العهد. في زيارة مريم تتبدّل الأمور، بعد أن اعتاد الكاهن زكريا زيارة الهيكل للعبادة، ها هو هيكل الله يأتي إلى بيته بشخص مريم. في أحد الزيارة نكتشف أنّ البشارة بيسوع بدأت مع مريم قَبلَ الميلاد، وخلال وجودِه في أحشائها، حَمَلَتْه إلى "عين كارم"، فحملت الفرح والسلام إلى كلّ أرض يهوذا وبالتالي إلى الشعب المنتظر خلاص الربّ.   

شرح الآيات
39. وفي تِلْكَ الأَيَّام، قَامَتْ مَرْيَمُ وَذَهَبَتْ مُسْرِعَةً إلى الـجَبَل، إلى مَدِينَةٍ في يَهُوذَا.
"تلك الأيام" هي الأيام التي تأتي في سياق إعلان البشارات لزكريا وإليصابات ومريم، أيام اختبر فيها، هؤلاءِ الثلاثةُ، تدخّل الله وتحقيق وعده. بعد بشارة الملاك لها، مريم لم تستطعْ أن تمكثَ في مكانِها، لأنّ كلمةَ اللهِ الخلاصيّةَ تبثُّ فينا الحياة والرّغبة بالانطلاقِ نحو الآخرين. هذه الكلمة  تُدخلنا في دينامكيّة الله، أي في مسيرةٍ ستتوَّجُ بلقاءِ فرحٍ وسلامٍ وإعلانٍ للخلاصِ الآتي. خلاصُ الرَّبِّ لا يمكنُ أنْ يبطئَ لذلك تقومُ مريمُ مسرعةً إلى الجبلِ، إلى مدينةِ يهوذا وهي بحسب التقليد مدينة "عين كارم" التي تبعد 6 كلم عن أورشليم. على الجبل يتمّ اللقاء بين الأمّين (اليصابات ومريم) هو لقاءٌ بين الولدين (يوحنّا ويسوع) هو لقاء بين الانسان والله، وللجبل في الكتاب المقدس مكانةٌ خاصَّةٌ، فهو الموضِعُ المحبَّبُ للهِ ليلتقيَ فيه مع شعبِه، هو أيضًا مكانُ العطايا والإعلانات الخلاصيّة. 

40. ودَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا، وسَلَّمَتْ عَلَى إِليصَابَات.
دخول مريم إلى بيت زكريا، رمزٌ لدخول الربّ إلى البشريّةِ المنتظرةِ حضورَه وخلاصَه. دخلَتْ مريمُ  وسلّمَتْ بتحيَّةِ السَّلام "شالوم" حاملةً السّلام الحقيقي علامةً لحضور الربّ في أحشائها. الضيف عند الشعب اليهودي مقدّس والضيافة تجلُبُ البَركةَ لأهلَ البيتِ. في استضافةِ مريمَ، زكريا وإليصابات يفتحون بيتهم وعالمهم للضيف العظيم، ومن خلالهم يفتح العهد القديم أبوابه لعهدٍ جديد يأتيه بالخلاص الحقيقيّ. مريم الضيف صارت قدس الأقداس الذي يأتي إلى الكاهن فيجعل من بيته هيكلًا يسكنُ فيه العليُّ. 

41. ولَمَّا سَمِعَتْ إِلِيصَابَاتُ سَلامَ مَرْيَم، ارْتَكَضَ الـجَنِينُ في بَطْنِها، وَامْتَلأَتْ مِنَ الرُّوحِ القُدُس.
لقاء مريم بإليصابات هو لقاءُ يسوع بيوحنّا، وارتكاضُ الجنين في بطنِ أمِّه هو علامةٌ على معرفة يوحنا ليسوع وهما بعدُ في الأحشاء، واستباقٌ للقائهما على نهر الأردنّ، واستباقٌ ايضًا لحلول الروح القدس. يتفرّد لوقا في العهد الجديد، باستعمال هذا الفعل، ليذكّرنا بارتكاض يعقوب وعيسو في حشا رفقة (تك 25/ 22)، وارتكاض قلوب المؤمنين الراجين لمجيء المسيح في العهد القديم ( إر 50: 11، ملا 3: 20، مز 114: 4). هذا اللقاء هو تتويج للقاء الله بالانسان من خلال الانسان ذاته. فالربّ المتجسّد في أحشاء مريم يلتقي البشريّة المتمثّلة بيوحنا في أحشاء إليصابات. لقاء يستبق حدث العنصرة في اليوم الخمسين بعد القيامة، والروح القدس الذي سيمتلئ منه الرسل في العلية، هو من ستمتلئ منه إليصابات. الّلقاء بالرّبّ يتوَّجُ دومًا بعطيّةِ الرُّوحِ القدس، الَّتي تزرعُ الفرحَ والسَّلامَ في قلوبِ من ينالونها.

42. فَهَتَفَتْ بِأَعْلَى صَوتِها وقَالَتْ: "مُبارَكَةٌ أَنْتِ في النِّسَاء، وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!
أمام عطيّة الربّ العظيمة تهتف إليصابات بأعلى صوتها، هتافُها تعبيرُ فرحٍ وامتنانٍ للرَّبِّ. أولًا، تُبارِكُ مريمَ الَّتي ترى فيها امتدادًا للنِّساءِ المباركات في العهدِ القديمِ، كما باركَ دبورةُ وباراكُ ياعيلَ امرأةَ حابر القينيّ (قضاة 5: 24) وكما بارك عوزيّا يهوديتَ في العهد القديم (يهو13: 18)، هاتان المرأتان اللتان سحقتا رأسا عدوِّهما. فمريم مباركة بين النِّساء لأنّها بطاعتها لكلمة الله سحقت رأس الحيّة، العدوّ القديم للبشريّة. ثانيًا، تبارك إليصابات ثمرة أحشاء مريم، أي نسلها الذي هو أيضًا سيسحقُ رأس الحيّة (تك 3: 15). في صراخ إليصابات اعلانٌ خلاصيٌّ وانتصارٌ على الشرّيرِ الذي سيتحقّق بالمسيحِ المخلّصِ. 

43. ومِنْ أَيْنَ لي هـذَا، أَنْ تَأْتِيَ إِليَّ أُمُّ ربِّي؟
هتاف إليصابات الذي عبّرتْ عنه بمباركتها لمريم ولثمرة بطنها، يصحبه دهشةً ومخافةً أمامَ الحضورِ  الإلهي الّذي يملأُ بيتَها. تُذكّرنا هذه الآية بدهشةِ داوود ومخافتِه أمامَ تابوتِ العهدِ "كيف أتجرَّأ وأنزِل تابوت العهد عندي" (2 صم 6: 9). إنّ حقيقةَ الله وعظمته في حياتنا يكشفان لنا مدى ضِعتِنا وصغَرِنا أمامَ عطيّة الرَّبِّ لنا. هذا الاختبار يُدخِلُ الانسانَ بفعلِ إمتنانٍ للرَّبِّ عبَّرَتْ عنه إليصاباتُ في هذه الآية.  التَّواضع والفرح يرافقان دومًا اختبار معرفةِ الرَّبّ والتماسِ حضورِه الفعلي في حياتنا.

44. فَهَا مُنْذُ وَقَعَ صَوْتُ سَلامِكِ في أُذُنَيَّ، ارْتَكَضَ الـجَنِينُ ابْتِهَاجًا في بَطْنِي!
يوحنا الجنين يرتكض ابتهاجًا كداوود الملك الذي رقص بكلّ قوّته أمام تابوت العهد (2 صم 6: 14). هذه الآية تؤكّد لنا أنّ البهجة سببها، ليس فقط زيارة مريم ومن تحمله في أحشائها، وإنّما معرفة أنّ الله يدخل عالمنا ويزوره حاملّا الخلاصَ الحقيقيّ.  

45. فَطُوبَى لِلَّتي آمَنَتْ أَنَّهُ سَيَتِمُّ ما قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبّ!".
إليصاباتُ تعلنُ الطُّوبى لمريمَ لأنّها آمنت بأنّ ما قيل لها سيتمُّ من قِبَلِ الرَّبِّ. هذه الطُّوبى لمريمَ ستتكرّرُ في إنجيل لوقا من قِبَلِ المرأة التي ستهتف من بينِ الجموعِ ليسوعَ "طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذي حَمَلَكَ، وَلِلثَّدْيَينِ اللَّذَينِ رَضِعْتَهُمَا!" (لو 11: 27)، فما كان من يسوع إلّا أن أجابها: "بَلِ الطُّوبَى لِلَّذينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَحْفَظُونَها!"، وهذا تأكيد على أنّ الطوبى لمريم لأنّها آمنت بِما قيل لها من قِبَلِ الرَّبّ فَقَبِلَتِ الكلمةَ، لذلك يقول القديسُ "أفرام السريانيّ" وكثير من الآباء السريان من بعده "إنّ الموت قد دخل من أذن حوّاء وكذلك الحياة دخلت من أذن مريم"

خلاصة روحيّة
في هذا الأحد الثالث، ومن خلال زيارة مريم نكتشف أنّ الخدمة الحقيقيّة التي دعينا لنعيشَها مع الآخرين، ليستْ مجرّدَ خدمةٍ اجتماعيّةٍ وحسب، يقوم بها الانسان تُجاه أخيه الإنسان، إنّما هي خدمةٌ روحيّةٌ بامتياز. خدمةٌ  تقوم على حملِ الرَّبّ إلى بيتِ الآخرين، إلى عالمِهم الخاصِّ، إلى المكان الذي يرمُزُ إلى الأمانِ في حياتِهم. إلى هذا المكانِ بالذَّاتِ تأتي مريم حاملةً يسوعَ ومن خلالِهِ السَّلامَ والفرحَ.
في عالمٍ مليءٍ بوسائلِ التَّواصلِ الاجتماعي وفي زمنٍ فَرَضَ علينا "التَّواصلَ عن بُعْدٍ" لأسبابٍ كثيرة، تأتي زيارة مريم لإليصابات قبل الميلاد لتؤكّدَ لنا أنّ المسافات التي تفصلنا عن الآخرين لا يمكن أن تقف حاجزًا  في وجه اعلان البشرى السّارة، وأنّ وسائل التواصل التي تتيح لنا زيارة الآخرين والدُّخولَ إلى عالمِهم الخاصِّ ولو عن بُعْدٍ، يجبُ أن تتحوّل إلى وسائل فعَّالةٍ للتّبشيرِ، نحمِلُ من خلالها سلامَ المسيحِ وفرحِهِ وحضورِه للعالمِ.

تحميل المنشور